KaZeo
+
conansmill
Follow me
Join now
20 Août 2014, St Bernard

صفحة خاصة
مواضيع قانونية
عدد الزائرين
  • 1 connecté(s)
    Total de 57 536 visiteur(s)
    Site créé le 28/01/2011
البريد الالكتروني
الاشتراك
مدينة بجاية
Accueil » Article » أحكام التطليق
  Articles de cette rubrique :
 

أحكام التطليق

 استخلف الله الإنسان في الأرض و جعل منه زوجين، ذكرا و أنثى و أودع في كل منهما ما يجعله يميل للآخر ليتم الإزدواج بينهما، و يكون من ثمرته التناسل ليبقى النوع الإنساني يعمر الأرض حتى يبلغ الكتاب أجله، و لكن المولى سبحانه و تعالى كرم بني آدم و لم يتركهم إلى ما تمليه عليهم طبيعتهم في أمر الازدواج كبقية المخلوقات الأخرى، بل سن لهم طريقة  خاصة تتفق و منزلتهم بين سائر المخلوقات هي الزواج.

فالزواج أهم علاقة ينشئها الإنسان في حياته لذلك تولاه الشارع الحكيم بالرعاية، فأضفى عليه قدسية تجعله فريدا بين سائر العقود الأخرى لما يترتب عليه من آثار خطيرة لا تقتصر على الرجل
و المرأة، و لا على الأسرة التي توجد بوجوده، بل يمتد إلى المجتمع، حيث لم تخل شريعة من الشرائع السماوية من الإذن به و  تنظيمه.

و لقد أولى الإسلام الزواج عناية كبرى و جعله من أوثق العرى بين الناس و المتتبع لنصوص التشريع في القرآن و السنة يجد أن هذا العقد ظفر بعدد كبير منها، و وصفه القرآن بأنه ميثاق غليظ في قوله تعالى: { وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً}([1])

و بأنه أكثر النعم التي أنعم الله بها على الإنسان في معرض امتنانه بنعمه فيقول جل شأنه:{وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ}([2])


و في آية أخرى اعتبره آية من آيات قدرته لقوله تعالى : {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}([3])

و قد جعله الرسول -صلى الله عليه و سلم- مكملا لدين المسلم حيث يقول عليه الصلاة
 و السلام:"من تزوج فقد أحرز شطر دينه، فليتق الله في الشطر الآخر" و قال أيضا "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه اغض للبصر و أحصن للفرج، و من لم يستطع فعليه  بالصوم فإن له وجاءٌ" كما روى مسلم عن عمرو ابن العاص أن رسول الله -صلى الله عليه و سلم- قال:"الدنيا متاع و خير متاعها المرأة الصالحة"

و قد عرفه الشيخ الإمام محمد أبو زهرة تعريفا دقيقا يكشف المقصود منه بقوله:"إنه عقد يفيد حل العشرة بين الرجل و المرأة و تعاونهما وحدد ما لكليهما من حقوق و ما عليه من واجبات" و الحقوق
و الواجبات التي تستفاد من هذا التعريف هي من عمل الشارع لا تخضع لما يشترطه العاقدان، فالزواج عماد الأسرة تلتقي الحقوق و الواجبات فيه، بتقديس ديني باعتباره رابطة مقدسة و علاقة روحية تليق برقي الإنسان، و لعل هذه الناحية النفسية الروحية هي المودة التي جعلها الله سبحانه بين الزوجين.

و لقد شُرع الزواج على سبيل الدوام و البقاء لقوله عز و جل:{ و عاشروهن بالمعروف}
و لكن قد تعترض العلاقة الزوجية في بعض الأحوال أمور تجعل الحياة الزوجية مصدر الشقاق و الخصام المستمر بين الزوجين بدل أن تكون سببا للائتلاف و الوئام، فتصبح الرابطة الزوجية جحيما و نقمة، بعد أن كانت نعمة  و سعادة، فشُرع الطلاق في الإسلام للتخلص من الزوجية التي لا خير في بقائها فإن كان الزواج يهدف أساسا إلى تنظيم العلاقة الزوجية و حفظ أعراض الناس، و إثبات نسب كل مولود، فإن الزوجين يستطيعان التخلص من الرابطة الزوجية إذا تبين أنها مصدر شقاء، وأنه لا يمكنهما  التعاشر بالمعروف، و لا أن يقوم كل منهما بحقوق الزوجية و واجباتها و ذلك بفك الرابطة الزوجية عن طريق الطلاق.

و الطلاق شرعاً هو رفع قيد النكاح  في الحال أو المآل بلفظ مخصوص صريح أو كناية، فرفع قيد النكاح في الحال يكون بالطلاق المكمل للثلاث و في المآل يكون بالطلاق الرجعي، و اللفظ الصريح هو ما كان مشتقا من مادة "ط ل ق" و الكناية هي اللفظ الذي لم يوضع لخصوص الطلاق فحسب بل وضع لمعنى يتعلق بالطلاق أو لمعنى آخر.

و قد جعلت الشريعة الإسلامية الطلاق خاضعا لشروط تجعل إيقاعه من جانب الرجل و هو يعقد الزواج و ينوي بقاءه قائما مستمرا مدى الحياة، فلا تصح مفارقة أي زوج لزوجته إلا لأسباب خطيرة يقدرها هو حسبما يمليه عليه ضميره و ما توجبه العقيدة الدينية و القيم الإسلامية، فالإسلام لا يبيح استعمال حق الطلاق إلا عند الضرورة و في الحالة التي يصعب معها إجراء وفاق بين الزوجين لوجود شقاق و نفرة بينهما.

وإذا استعمل بغير سبب أصبح بمثابة التعدي على حدود الله ، كما أنه مبغوض و مكروه لقول النبي -صلى الله عليه و سلم-:"إن أبغض الحلال عند  الله الطلاق" و قوله أيضا:"تزوجوا و لا تطلقوا فإن الطلاق يهتز منه العرش"

و جعله الشارع الحكيم بيد الزوج يستقل بإيقاعه دون اشتراط رضى الزوجة لأن الشأن
 و الأمر الغالب في النساء بحسب طبيعتين التي جُبِلْنَ عليها سرعة التأثر و الإنفعال و الإنقياد للعاطفة
و الخضوع لها أكثر من انقيادهن و خضوعهن لما يقتضيه العقل و التفكير السليم، بخلاف الرجال فإن الأمر الغالب فيهم الأناة و ضبط النفس عند الغضب و التبصر في عواقب الأمور قبل الإقدام عليها فلو جُعِل الطلاق بيد الزوجة لما استقرت الحياة الزوجية و كانت معرضة لهدمها لأقل الأسباب.

ولم يشترط في الطلاق أن يكون برضى الزوجين و إتفاقهما كما في عقد الزواج إذ لو اشترط ذلك قلما يمكن إنهاء الزوجية التي لا خير في بقائها.

و بذلك قررت الشريعة الإسلامية حق الزوج في إنهاء العلاقة الزوجية بمحض إرادته و طبقا لمشيئته، إلا أنها لم تهمل حق المرأة في خلاصها من العلاقة الزوجية إذا ما جلبت لها أضرارا مادية أو معنوية بحيث تصبح لاتطيق معاشرة زوجها و ترى في استمرارها زيادة في البغض و الكراهية، عندئذ فتح لها الشرع بابا لنوع من الطلاق تتخلص فيه من الرابطة الزوجية إذا أثبتت إضرار الزوج بها عند توافر أحد الأسباب المنصوص عليها شرعا و قانونا، و هذا ما يعرف بالتطليق أما إذا لم تستطع إثبات ذلك الضرر فتح لها باب افتداء نفسها من زوجها في مقابل مال تدفعه له و ذلك ما يُعرف بالخلع.

و قد أقر المشرع الجزائري على غرار أحكام الشريعة الإسلامية طرق فك الرابطة الزوجية في المادتين (47-48)من قانون الأسرة اللتان تنصان على التوالي:"تنحل الرابطة الزوجية بالطلاق أو الوفاة"

 و الطلاق حل عقد الزواج، يتم بإرادة الزوج أو بتراضي الزوجين أو بطلب من الزوجة في حدود ما ورد في المادتين (53 و 54) من هذا القانون.

و يتبين من استقرائنا للمادة(47) أن الرابطة الزوجية تنحل إما لظروف خارجة عن إرادة الزوجين، تكون من صنع الله و هي الطريقة الطبيعية لانحلال العلاقة الزوجية والمتمثلة في الوفاة، و إما لظروف تتعلق بالزوجين و إرادتهما معاً أو بأحد منهما.

و عليه فان أول طريقة ينحل بها عقد الزواج هي وفاة أحد الزوجين، فإذا توفى أحدهما فإن عقد الزواج القائم بينهما ينحل تلقائيا و بقوة القانون ، فلا يحتاج إلى إقامة دعوى أمام القضاء للحكم بانحلاله أو انقضائه، و أن سبب انحلال الزواج هذا يعتبر من صنع الله وحده و لا دخل لإرادة الزوجين فيه.

أما عند استقرائنا للمادة(48) يتضح أن المشرع قد كرس حق الزوج في إيقاع الطلاق بإرادته المنفردة باعتبار العصمة في يده، طبقا لأحكام القرآن و السنة، تحقيقا للاستقرار و توفيراً لأسباب الراحة الزوجية فكان من الحكمة أن يملك الرجل أمر الطلاق حين يُحكّم العقل و المنطق فهو الذي يدفع الصداق و يقوم بالإنفاق على الزوجة و الأولاد و يتحمل التبعات المالية في حالة الطلاق و غير ذلك، مما يجعله يتروى كثيراً و يُحكّم التفكير قبل الإقدام على الطلاق، فلا يقدم عليه إلا بعد أن يزنه بميزان العقل غير متأثر برغبة عارضة أو غضبة ثائرة لأنه أكثر إدراكاً و تقديراً لعواقب الأمور خاصة إذا كان له أولاد من زوجته.

و هناك طريق آخر منح للزوجين لفك الرابطة الزوجية طبقا للمادة(48) المذكورة أعلاه، فسمح القانون للزوجين أن يتفقا على الطلاق وينهيان بذلك العلاقة الزوجية بينهما بإرادتهما المجتمعة و هو منطق سليم لا يجافي الشرع و لا مقتضى العقل السليم، حيث ما أوجدته الإرادتان باتفاقهما، يمكن لهما إزالته، رغم أن الاتفاق على الزواج أسهل بكثير من الاتفاق على الطلاق، و لأن الزوجية بوصفها تلبية حاجة الطرفين تكون متوفرة لديهما معا عند إنشاء العقد، لأن كل منهما يعمل على شاكلته لتحقيق استمرار الزواج ، خلافا للطلاق الذي هو استحالة لوضعية خاصة و تلبية لحاجة قد لا تتوفر عند الزوجين معاً.

و الاتفاق على الطلاق يكون أكثر صدقا على عدم جدوى استمرار العشرة إذ لا يتفقان إلا عند قناعتهما معا و في وقت واحد على أن بقائهما معا، لم يعد يفيد شيئا و لا يخدم مصلحتهما المشتركة،
و هذا طلاق لا ظلم فيه لأحد. 

ولم يهدر حق الزوجة من التخلص من رابطة زوجية أصبحت لا تطيقها إما بسبب إخلال الزوج بواجباته اتجاهها و تضررها من ذلك نتيجة كرهها و نفورها منه، و يكون بذلك قد فتح لها طريقين لحل تلك الرابطة الزوجية و فتح أمامها الباب للتخلص من عشرة زوجها و ذلك باللجوء للقضاء لطلب التطليق. كما فتح لها باب الافتداء بسبب كراهيتها و نفورها من زوجها، إذ فتح لها المشرع أيضا باب الخلع لاسترجاع حريتها مقابل مبلغ مالي.

و هما الموضوعان الذان سيكونان محل دراستنا باعتبارهما طريقتين استثنائيتين من الأصل العام لحل الرابطة الزوجية.

كما أنهما يثيران إشكالات عديدة في الفقه و القانون و القضاء، فما أحكام كل من التطليق
و الخلع؟

و ماهي أوجه التفرقة بينهما؟

للإجابة عن هاتين الإشكاليتين سنقف عند آراء  كبار فقهاء الشريعة الإسلامية كما نتعرض لأحكام قانون الأسرة المتعلقة بها و كذا ما توصل إليه الإجتهاد القضائي بشأنهما، كل ذلك ضمن فصلين تتناول في الأول أحكام التطليق و نتعرض في الثاني لأحكام الخلع والفرق بينه وبين التطليق ، وفقا للخطة التالية.


إن الزوج و بحكم مسؤوليته الأسرية، تقع على عاتقه مجموعة من الإلتزامات المادية و المعنوية حتى يحقق مقاصد الحياة الزوجية ماديا بالإنفاق على زوجته، و معنويا بإعفافها و عدم الغياب عنها، لأن تواجده مطلب ضروري له أثره على كيان الحياة الزوجية، فإذا أخل الزوج بهذه الإلتزامات، أو تضررت الزوجة من جراء ذلك، فلها الحق في أن ترفع أمرها للقاضي لطلب التطليق.

فالتطليق ينهي العلاقة الزوجية بطلب من الزوجة و بإرادتها المنفردة و لأسباب عددها المشرع، لذلك تتناول مسألة التطليق في ثلاثة مباحث، بادئين بماهيته لنتعرض بعدها لأسبابه و ننتهي في الأخير بالآثار المترتبة عنه.


 

المبحث الأول : ماهية التطليق

قبل التطرق إلى أسباب التطليق، لابد من التعرض لماهيته و ذلك على النحو التالي:

المطلب الأول : تعريف التطليق

لم يعرف  المشرع الجزائري التطليق و اقتصر على ذكر أسبابه في المادة 53 من قانون الأسرة الجزائري، و بالرجوع إلى معناه في اللغة نجد أصل كلمة "تطليق" يعود إلى (طلق-تطليقا) أي طلقت المرأة زوجها، و تطليقها منه، بمعنى خلاّها من قيد الزواج، و تطليق الرجل من قومه يعنى تركهم
 و مفارقتهم([4]
)

أما في الإصطلاح فهو منح الزوجة حق طلب التطليق من زوجها بناءا على إرادتها المنفردة
و إستنادا إلى القانون.

فالأصل أن الطلاق أنه يكون للزوج وحده ، و قد يقوم به غيره بإنابته كما في الوكالة
و التفويض، أو بدون إنابة كالقاضي  في بعض الأحوال كحالة التطليق.

فإذا كان القانون قد منح الزوج الحق في طلاق زوجته بإرادته المنفردة باعتبار العصمة في يده، فإن  حق المرأة في طلب الطلاق بإرادتها المنفردة مقيد بحالات معينة و رد النص عليها في المادة (53) من قانون الأسرة، و هذه الحالات هي عدم الإنفاق، العيوب، الهجر في المضجع، الغياب، الضرر، الحكم بعقوبة شائنة و ارتكاب فاحشة، و ذلك ما سنتناوله تفصيلا في المبحث الثاني.

و عليه  فإن انحلال عقد الزواج بطلب من الزوجة لا يمكن أن يكون إلا أمام القضاء، و بموجب دعوى قضائية، و في حالة الإستجابة لطلبها تنتج عنه آثار انحلال الرابطة الزوجية من عدة، و ثبوت نسب الأولاد و حضانتهم و غيرها من الآثار.

و قد استعمل المشرع الجزائري مصطلح "التطليق" في المادة (53) من قانون الأسرة للدلالة على فك الرابطة الزوجية بطلب من الزوجة، على غرار المشرع المغربي الذي أورد نفس العبارة في الفصل
(53) و ما بعده من مدونة الأحوال الشخصية المغربية، خلافا للمشرع السوري الذي استعمل مصطلح "التفريق" في المادة (105) من قانون الأحوال الشخصية، أما المشرع التونسي فلم يورد هذين المصطلحين بل عبر عن ذلك بانحلال عقد الزواج بناءا على رغبة الزوجة، و بالرجوع إلى جميع الآيات القرآنية التي تتكلم عن انحلال الرابطة الزوجية، فلم يرد فيها إلا كلمة "الطلاق" سواء كان طلب حل عقد الزواج صادرا عن الزوج أو الزوجة أو عنهما معا.

و نجد أن قانون الأسرة الجزائري في بابه الثاني المعنون بانحلال الزواج، استعمل في المادة (48)([5]) منه، مصطلح الطلاق للتعبير على كل أنواع الفُرَق، و هذا اعتمادا على ظاهر النص،  غير أنه إذا تعمقنا في أحكام هذه المادة نجد أن هذا المصطلح يقصد به فقط ما يقع بإرادة الزوج، أما ما يكون بإرادة الزوجة فيسمى تطليقا و ذلك إستنادا إلى أحكام المادة (53) من نفس القانون و التي جاء فيها "يجوز للزوجة  أن تطلب التطليق..." مما يدل على أن المشرع فرَّق بين مدلولي الطلاق و التطليق لاختلاف آثارهما، لاسيما من حيث الدور الذي يلعبه القاضي في كل منهما و من حيث طبيعة الأحكام القضائية الصادرة فيهما و هو ما سنتكلمعنه في حينه عند التطرق لآثار التطليق.

المطلب الثاني : دليل مشروعية التطليق

لقد شرع الله تعالى الطلاق للحفاظ على الهدف الأسمى الذي شُرع من أجله النكاح ليكون وسيلة لفض الخلاف بين الزوجين، يُلجأ إليه عند الحاجة و مع ذلك فإن الشارع الحكيم أبغضه و أخضعه لإجراءات من شأنها أن تقلل من حالاته، رغم مشروعيته.

و يعتبر الكتاب و السنة و الإجماع الأدلة الأصلية لمشروعية أي فعل و عليه سنتناول سند و دليل مشروعية التطليق من خلالهم فيما يأتي:

من الكتاب :

قوله تعالى : {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعاً حَكِيماً}([6])

و قوله تعالى: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً}([7])

و هو خطاب عام موجه للرسول -صلى الله عليه و سلم- في الأصل و لجميع أمته.

و يقول أيضا في كتابه العزيز: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}([8])

و هذه الآية الكريمة فيها تنظيم الطلاق و دليل مشروعيته في آن واحد و يقول تعالى:{لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء}([9])فهذه الآية تنفي الجناح و الإثم عن فعل الطلاق إذا تم في حدوده الشرعية.

من السنة:

روى حميد ابن عبد الرحمان عن أبي موسى قال: قال رسول الله -صلى الله عليه و سلم- "يقول أحدكم لإمرأته قد طلقتك قد راجعتك، ليس هذا طلاق المسلمين تُطلق المرأة من قبل عدتها"

وهذا التنظيم عن رسول الله للطلاق و التفرقة بين طلاق المسلمين و طلاق غيرهم هو دليل مشروعية الطلاق.

و روى محارب بندثار عن بن عمر أن النبي -صلى الله عليه و سلم- قال:"أبغض الحلال إلى الله الطلاق" و يشير هذا الحديث أن الطلاق مشروع و لكن بأسبابه و دواعيه- و روى أن النبي -صلى الله عليه و سلم- قال:"ثلاث جدُّهن جد و هزلهن جد النكاح و الطلاق و العتاق"

و رُوي عنه أنه طلق حفصة ثم راجعها، و ما ورد عن رسول الله -صلى الله عليه و سلم- من قول أو فعل أو تقرير يؤكد مشروعية الطلاق في الإسلام.

من الإجماع:

انعقد الإجماع منذ عصر الرسول -صلى الله عليه و سلم- حتى اليوم على جواز الفُرقة، و هي محضورة أصلا و لا تباح إلا لحاجة أو ضرورة، و إباحته مقيدة بقيود تكفل الصالح العام، و تكفل تحقيق التوازن بين حقوق كل من الزوجين و واجباتهما ذلك أن الزوجية ميثاق غليظ لا ينفصم إلا لأسباب ملحة.

و خلاصة القول أن الطلاق مشروع باعتباره ضرورة، و الضرورة تقدر بقدرها و عند عدم الحاجة فحرام على الرجل إيقاعه و حرام على الزوجة طلبه.([10])

المطلب الثالث: طبيعة التطليق

يعتبر التطليق مكنة منحها المشرع للزوجة تلجأ من خلالها للقضاء بطلب الفرقة بينها و بين زوجها استنادا لأسباب محددة، و للقاضي السلطة التقديرية في قبول أو رفض طلبها، و عليه يطرح التساؤل حول طبيعة التطليق، هل هو فسخ أم طلاق؟

إتفق الفقهاء على أن الحياة الزوجية تنتهي بالطلاق أو بالفسخ و لكنهم اختلفوا حول ما يندرج ضمن كل منهما،كما تختلف الآثار المترتبة عنهما، فالطلاق يعد إنهاءا لعقد الزواج الصحيح، في حين الفسخ هو نقض له لخلل رافق نشوءه أو عارض طرأ على الزواج منع بقاءه بعد نشوئه صحيحا أو لحادث أصاب أحد الزوجين فأعطى للآخر حق طلب الفسخ، هذا  من حيث الماهية، أما من حيث الأسباب فالطلاق لا يكون إلا بناءا على عقد صحيح لازم و هو من حقوق الزوج يوقعه بإرادته المنفردة، أما الفسخ فإما أن يكون بتراضي الزوجين أو بواسطة القاضي.

و من حيث الآثار المترتبة عنه، فالفسخ لا ينقص عدد الطلقات التي يملكها الزوج، أما الطلاق يحدث هذا الأثر.

كما يجدر بنا القول أن الفسخ قبل الدخول لا يوجب للمرأة شيئا من المهر أما الطلاق قبل الدخول فيوجب نصف المهر المسمى، و إن لم يكن استحقت المتعة.([11])

و ترتيبا على ذلك يرى الأحناف أن كل فرقة من جانب الزوج هي طلاق كالفرقة بسبب الإيلاء مثلا، و كل فُرقة من قبل الزوجة هي فسخ كالفُرقة بسبب عدم كفاءة الزوج لزوجته، و بناءا على ذلك فإن أهم الفُرق التي تُعد طلاقا عند الأحناف هي تطليق الزوج بسبب الإيلاء أو الخلع أو اللعان،
و التفريق لعيب جنسي أو التفريق بسبب أباء الزوج الإسلام.

أما الفُرق التي تعد عندهم  فسخا فهي: التفريق لردة أحد الزوجين و لفساد الزواج أو التفريق لعدم كفاءة الزوج لزوجته أو الفُرقة بسبب حُرمة المصاهرة.

في حين يرى الحنابلة و الشافعية أن الفُرق التي تقع بين الزوجين تعتبر طلاق إذا وقعها الزوج أو نائبه و ما عدا ذلك تعتبر فسخا و الفُرق التي تعد عندهم طلاقا هي:

تطليق  الزوج و الخلع و تطليق القاضي إن امتنع الزوج عن الطلاق بسبب الإيلاء، أما الفرق التي تعد عندهم فسخا هي:

  • التفريق لعيب في أحد الزوجين أو بسبب إعسار الزوج أو فساد العقد أو لعدم كفاءة الزوج لزوجته.

بينما ذهب المالكية إلى أن الفَرق بين الطلاق و الفسخ يكمن في السبب الموجب للفُرقة، فإن كانت فُرقة من زواج صحيح و كان سببها لا يستوجب حرمة مؤبدة بين الزوجين، سواء كانت من الزوج أو من يقوم مقامه، أو من قبل الزوجة أو من قبل القاضي عُدَّت طلاق، و أما إذا كانت ناتجة عن زواج فاسد فيُعد ذلك فسخا.

و تُعد عندهم الفُرق التالية طلاق :

  • تطليق الزوج بسبب الخلع، أو لعيب في أحدهما أو إعسار الزوج عن نفقة زوجته أو التفريق للضرر أو بسبب الإيلاء أو عدم الكفاءة.

و ما يُعد عندهم فسخا:

  • التفريق بسبب اللعان أو بسبب فساد عقد الزواج أو بسبب أباء أحد الزوجين الإسلام.

أما الظاهرية فيعتبرون كل فُرقة تمت بين زوجين طلاقا إلا في الحالات التالية فهي فسخا: التفريق باللعان أو التفريق لاختلاف الدين.

و بالرجوع إلى قانون الأسرة الجزائري نجده عرَّف الطلاق في المادة (48) منه على أنه:حل عقد الزواج، و يتم بإرادة الزوج أو بتراضي الزوجين أو بطلب من الزوجة في حدود ما ورد في المادتين      (53-54) من هذا القانون،كما أنه استعمل في نص المادة(57) مصطلح "الطلاق" الذي يدل على أن المشرع أخذ بالمذهب المالكي و اعتبر التطليق طلاقا لا فسخا، و قد ذكرالفسخ و أحكامه في المواد       (32-33-34) من قانون الأسرة. كما ذكر حالاته تحت عنوان النكاح الفاسد و الباطل.

و يعاب عليه أنه خالف مفهوم البطلان في القواعد العامة المنصوص  عليها في المادتين
(101-102)من القانون المدني و ذلك عندما نص في قانون الأسرة على أن البطلان هو اختلال ركنين في العقد، لكن يترتب البطلان في القواعد العامة باختلال ركن واحد من أركان  العقد و كيفت هذه الحالة في قانون الأسرة على أنها فسخ.

بعدما عرفنا التطليق، و تطرقنا لدليل مشروعيته و الحكمة منه و تناولنا طبيعته، ننتقل الآن إلى عرض أسبابه بالتفصيل كون المشرع اشترط لقبول دعوى التطليق تأسيسها على أحد الأسباب الوارد ذكرها في المادة (53) من قانون الأسرة و ذلك على النحو التالي:


المبحث الثاني : أسباب التطليق

نص المشرع في المادة (53) من قانون الأسرة على ما يلي:"يجوز للزوجة أن تطلب التطليق للأسباب التالية:

  1. "عدم الإنفاق بعد صدور الحكم بوجوبه ما لم تكن عالمة بإعساره وقت الزواج مع مراعاة المواد
    (78 و 79 و 80) من هذا القانون.
  2. العيوب التي تحول دون تحقيق الهدف من الزواج.
  3. الهجر في المضجع فوق أربعة أشهر.
  4. الحكم بعقوبة شائنة مقيدة لحرية الزوج لمدة  أكثر من سنة، فيها مساس بشرف الأسرة و تستحيل معها مواصلة العشرة الزوجية.
  5. الغيبة بعد مضي سنة بدون  عذر و لا نفقة.
  6. كل ضرر معتبر شرعا و لا سيما إذا نجم عن مخالفة الأحكام الواردة في المادتين (8 و 37 ) أعلاه.
  7. ارتكاب فاحشة مبينة"

و باستقراء هذه المادة نجدها تضمنت أسبابا تستند إليها الزوجة لطلب التطليق من القاضي الذي تبقى له السلطة التقديرية في قبول طلبها أو رفضه و لمعرفة هذه الأسباب بنوع من التفصيل.

ضمن أربعة مطالب، نتطرق في الأول إلى الأسباب المتعلقة بالتخلي عن الإلتزامات الزوجية
و العائلية، و في الثاني إلى التطليق  للعيوب، و في الثالث للأسباب المتعلقة بارتكاب جرائم معاقبا عليها جزائيا، و في الأخير إلى التطليق للضرر المعتبر شرعا على النحر الآتي بيانه:


المطلب الأول : الأسباب المتعلقة بالتخلي عن الإلتزامات الزوجية و العائلية:

إن أي زواج شرعي يترتب عنه عدد من الواجبات و الحقوق المتبادلة، و إخلال أحدهما بالتزاماته الزوجية يؤدي إلى الإضرار بكيان الأسرة ككل، فإذا كان الإخلال من جانب الزوجة، حَقَّ للزوج تطليقها باعتبار العصمة بيده، أما إذا تخلى الزوج عن القيام بواجباته و التزاماته الزوجية و العائلية دون سبب جدي أو شرعي، كالإمتناع عن أداء النفقة بكل مشتملاتها، أو هجر زوجته في المضجع  مدة لا تطليقها، أو ترك مقر الزوجية دون أن يترك مالا تُنفق منه هي و أولادها. فهل للزوجة الحق في رفع أمرها للقاضي لطلب التطليق لدفع الضرر عما لحقها جراء إخلال الزوج بتلك الإلتزامات؟

هذا ما سنجيب عنه ضمن هذا المطلب في ثلاثة فروع نتناول في الأول التطليق لعدم الإنفاق و في الثاني التطليق للهجر في المضجع و في الثالث التطليق لغياب الزوج.

الفرع الأول: التطليق لعدم الإنفاق

تُعد النفقة حق للزوجة يثبت لها بعقد الزواج الصحيح و تسقط بنشوزها و ينتهي بانفصام العلاقة الزوجية، فإذا امتنع الزوج عن أداء هذا الإلتزام تعسفا أو إعسارا فهل يحق للزوجة طلب التطليق لهذا السبب؟

هذا ما سنتناوله  فيما يأتي متعرضين للموقفين الفقهي و التشريعي و اعتمادا على ما توصل إليه الإجتهاد القضائي في هذا الإطار.

أولا: الموقف الفقهي:

لقد انقسم الفقهاء إلى ثلاثة اتجاهات و لكل في ذلك حججه من الكتاب و السنة.


الرأي الأول:

يقول بعدم التفريق بين الزوجة و زوجها الذي  لا ينفق عليها، حتى ولو أعلنت عدم رضاها بذلك، و تمردت على الوضع القائم و طلبت من القاضي فك الرابطة الزوجية بينهما.

و الأحناف هم قادة هذا الرأي، و ليس في مذهبهم ما يجيز تطليق الزوجة من زوجها لعجزه عن نفقتها أو لامتناعه عنها، حتى و لو لم يكن له مال ظاهر، و دليلهم في ذلك:

من القرآن الكريم:

قوله سبحانه تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً{7}([12])

من السنة:

أن مسلم روى في صحيحه من حديث "أبي الزبير" عن "جابر" قال:"دخل أبو بكر الصديق و عمر –رضي الله عنهما- على رسول الله - صلى الله عليه و سلم- فوجداه جالسا و حوله نساؤه واجما ساكنا فقال أبو بكر الصديق:يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة، فقمت إليها فوجأت عُنُقها فضحك رسول الله -صلى الله عليه و سلم- و قال: من حولي كما ترى يسألنني النفقة، فقام "أبو بكر الصديق" –رضي الله عنه- إلى عائشة يجأُ عنقها و قام عمر –رضي الله عنه- إلى حفصة يجأُ عنقها كلاهما يقول: تسألن رسول الله -صلى الله عليه و سلم- ما ليس عنده فقلن و الله لا نسأل رسول الله - صلى الله عليه و سلم- شيئا أبدا  ليس عنده، ثم اعتزلهن رسول الله صلى الله عليه و سلم شهرا. و لم ينقل عن الرسول -صلى الله عليه و سلم- أن التفريق في هذه الحالة حق للزوجة.


من المعقول
:

من المقرر شرعا إذا اجتمع ضرران اختير أخفهما فالضرر المترتب على التفريق يؤدي إلى ضياع حق الزوج، أما الضرر المترتب على عدم التفريق يؤدي إلى تأخير حق الزوجة،   و عملا بهذه القاعدة فعدم التفريق هو أخف الضررين.

كما أن إبقاء الزواج مع الإعسار يُفَوِّت المال و هو من التوابع، أما إنهاء الزواج بالإعسار فيؤدي إلى فوات التناسل و هو مقصود أصلي من الزواج، و لا يعقل ضياع المقصود الأصلي ليبقى المقصود التبعي"([13])

الرأي الثاني:

يرى الأئمة الثلاثة: مالك، الشافعي، و أحمد مع خلاف في التفاصيل أن للزوجة حق طلب التفريق لعدم الإنفاق و على القاضي أن يستجيب لطلبها إذا أثبتت له ذلك، و هم أيضا يستدلونبالكتاب
و السنة.

من القرآن:

"قوله تعالى في أمره للزوج:"فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" و قوله أيضا:"و لا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا"

من السنة:

فقد رُوي عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه و سلم- قال:"خير الصدقة ما كان منها عن ظهر غني و اليد العليا خير من اليد السفلى و أبدأ بمن تعول فقيل من أعول يا رسول الله قال:امرأتك ممن تعول، تقول أطعمني و إلا فارقني" فهذا الحديث جعل للمرأة الفراق عند الإمتناع عن الإنفاق.

من المعقول:

 إن العجز عن الإنفاق بسبب الإعسار  كالعجز عن الجماع بسبب الجب أو العنة، فإذا ثبت جواز الفسخ بالعنة و الجب ثبت جواز الفسخ بالإعسار و عدم الإنفاق، بل الفسخ  هنا أولى لأن النفقة لا يقوم البدن بها أما لذة الجماع فيقوم البدن بدونها([14])

و مع إتفاقهم في ذلك كله إلا أنهم اختلفوا في التفاصيل:

  • بالنسبة للإعسار: فقد قرر مالك أنه لا يثبت إلا بالدليل، أو بإقرار الزوج به، أما الشافعي فرأى أنه يثبت بالبينة أو إقرار الزوج به، فإذا إدعاه كان ذلك كافيا للتفريق.

و لايؤجل المعسر عند الشافعي إلا ثلاثة أيام و لا يؤجل قط عند أحمد، و يؤجل عند مالك مدة يراها القاضي مدة كافية لليأس من قدرته في المستقبل عن الإنفاق، و بعض المالكية قدرها بشهر،
و الرضى بالبقاء مع الإعسار يُسقط طلب التفريق عند مالك لأن طلبها من بعد ذلك نقض لما تم من جهتها، و لذا لو تزوجته و هي عالمة بإعساره فليس لها طلب التفريق بعد ذلك بخلاف الشافعي و أحمد اللذان قررا أن رضاها بالإعسار وقتا لايستلزم رضاها في كل الأوقات.

  • بالنسبة للتفريق: مع اتفاقهم على أنه إن كان للزوج مال ظاهر لا يُفرق بينه و بين زوجته، اختلفوا في حالة ما إذا كان ممتنعا لم يدعي الإعسار، أي لم يُثبته ببينة، فقال الشافعي لا يُفرق بينه و بين زوجته إذا طلبت التطليق، لأن مظنة الرجوع غير ثابتة، و قال  مالك و أحمد يُفرق بين الممتنع عن الإنفاق و بين زوجته إن طلبت التفريق،  و لو لم يكن له مال ظاهر لعدم الإنفاق عليها كحال الإعسار، و لأنه ظالم بالإمتناع وجب عليه تطليقها فإن لم يفعل طلق القاضي عنه([15]).

- الرأي الثالث :

و خلاصته التفرقة بين المرأة التي غرَّ بها الزوج فلها طلب التفريق، أما إذا انتفى الضرر فليس لها هذا الحق، وقد ذهب إلى ذلك الإمام ابن قيم الجوزية.

ثانيا: الموقف التشريعي:

لقد استمد المشرع الجزائري موقفه في شأن التطليق لعدم الإنفاق من موقف جمهور الفقهاء (مالك، أحمد و الشافعي) و قد نص على ذلك في الفقرة الأولى من المادة (53) من قانون الأسرة:"يجوز للزوجة أن تطلب التطليق للأسباب التالية:

  • عدم الإنفاق بعد صدور الحكم بوجوبه، ما لم تكن عالمة بإعساره وقت الزواج مع مراعاة المواد: (78، 79، 80) من هذا القانون ..."

فعدم الإنفاق هو امتناع الزوج نهائيا عن النفقة بكل أجزائها و مشتملاتها، حسب نص المادة
(78) من قانون الأسرة، الأمر الذي يلحق بالزوجة أضرارا و يبرر رفع أمرها للقاضي لطلب التطليق، بشرط توافر العناصر
التالية:

  1. يجب على الزوجة أولا أن ترفع دعوى ضد الزوج لاستصدار حكم يأمره للنفقة، و امتنع عن تنفيذ هذا الحكم، فإن رفعت دعواها لأول مرة تطالب بالنفقة، فإن القاضي يحكم لها بذلك
     و يأمرها للعودة إلى مقر الزوجية، إلا إذا ثبت امتناعه بعد الحكم، فإن رفعت دعوى التطليق بعد ذلك، فعلى القاضي الإستجابة لطلبها في هذه الحالة.

و في هذا الإطار صدر عن المحكمة العليا قرار بتاريخ 02/05/1995 تحت رقم 118475 و الذي قضى بأنه:"لا يمكن الحكم بالتطليق بسبب الإهمال و عدم الإنفاق إلا إذا صدر حكم بوجوب النفقة على الزوجة، و أن يمتنع الزوج عن تنفيذ ذلك."

  1. ألا يكون امتناعه عن النفقة بسبب عُسره، لأن هذا الأخير بيد الله، و لا يعتبر مبررا لطلب  التطليق، مصداقا لقوله تعالى : {اللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ }([16])و قال في آية أخرى:{وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }([17])

فالزوج في هذه الحالة ليس بظالم حتى يُطلق عليه القاضي و يرفع ظلمه عن زوجته.

  1. ألا تكون عالمة بإعساره وقت زواجهما، فإن كانت عالمة بمصدر دخله، و جهده اليومي، أو أنه بدون عمل، أو أن مهنته غير مطلوبة اجتماعيا مما يجعله يعيش انفراجا ماليا أحيانا
    و يفتقده أحيانا أخرى، فإن رضيت بالزواج به على هذا الحال فهي على علم بعسره فإن رفعت دعواها للقاضي تطلب التطليق للعسر، رُفضت دعواها لورود النص :"...ما لم تكن عالمة بإعساره وقت الزواج..."

 و يقع عبء الإثبات في هذه الحالة على عاتق الزوج فإن استطاعت الزوجة إثبات أنه عُسره هذا حصل بعد زواجهما، فإنه يُنتظر إلى ما بعد صدور الحكم بالنفقة، فإن لم يُنفق و طال عُسره إلى مدة تضر بالزوجة، طلق عليه القاضي.

و يكون الحكم بالنفقة وفقا لأحكام المادتين (78 و 80) من قانون الأسرة، حيث يُراعى في تقديرها حالة الزوجين، و ألا يتجاوز القاضي مدة سنة قبل رفع الدعوى عند الحكم بها إن ثبت لديه ما يدعو لذلك. و إلا فتقديرها يكون ابتداءا من تاريخ رفع الدعوى إلى أن يزول مبررها.

وقد صدر في هذا الإطار قرار عن مجلس قضاء سيدي بلعباس –غرفة الأحوال الشخصية- بتاريخ 13 أكتوبر2001 قضى بإلغاء الحكم المستأنف فيه و التصدي من جديد بتطليق المستأنفة من المستأنف عليه و بإلزام  هذا الأخير بأدائه لها مبلغ ثلاثة آلاف دينار جزائري  (3000 دج) شهريا كنفقة إهمال  تسري سنة قبل دفع الدعوى، و تستمر إلى غاية النطق بالتطليق و مبلغ عشرة آلاف دينار جزائـري     (000 10دج) نفقة عدة و أسند حضانة البنت لأمها،  جاء في أسبابه:

"عن طلب المستأنفة بإلغاء الحكم المستأنف فيه و القضاء بالتطليق لعدم الإنفاق، حيث أن هذا الطلب جاء مؤسسا كون أن المستأنف عليه أهمل زوجته منذ سنة  1990و تركها بدون نفقة و غادر الجزائر متوجها لفرنسا و لم يقم بواجباته نحو زوجته و أنه طبقا للمادة (37) من قانون الأسرة فإن النفقة واجبة شرعا على الزوج اتجاه زوجته مما يجعل من طلب التطليق طلبا مؤسسا و يتعين معه إلغاء الحكم المستأنف فيه و تصديا الحكم بتطليق المستأنفة من المستأنف عليه"

و صدر في ذلك حكم عن محكمة سيدي بلعباس بتاريخ 29/09/2004 قضى نهائيا بتطليق المدعية من المدعى عليه، جاء فيه:

"حيث ثبت للمحكمة من خلال موضوع المطالبة القضائية التي عجز فيها المدعى عليه عن إثبات قيامه بواجباته الزوجية المتمثلة في الإنفاق على زوجته و رعايتها خلال فترة فراره من الإلتزام العسكري، فإنه و أمام غيابه عن جلسة الصلح التي من خلالها أعلنت المدعية عن رغبتها في التطليق بسبب غياب الزوج عنها مدة ثلاث سنوات و ثمانية أشهر و ذلك منذ فراره من الجيش الوطني الشعبي الوطني الذي كان عضوا فيه كطيار و أنه تم القبض عليه في الفترة الأخيرة، فإنه و بتفحص أوراق الملف لاسيما طلب الشطب من السجلات و التي ثبت من خلالها الإجراء التأديبي الذي تعرض إليه المدعى عليه بسبب فراغه لمدة طويلة منذ 30/05/2000 و أن المدعية قدمت الدليل القاطع على ثبوت غياب الزوج عنها لمدة طويلة تجاوزت الثلاث سنوات فإنه يتعين الإستجابة لطلبها الرامي إلى التطليق لتأسيسه قانونا"

و يُطرح التساؤل بشأن المدة التي يجب أن تنتظرها الزوجة بعد الحكم لها بالنفقة و أثر ذلك على سقوط حقها في طلب التطليق؟

و في هذا اختلف الفقهاء المسلمون، فجعلها الإمامان "الشافعي" و "أحمد" تتراوح ما بين ثلاثة أيام و شهر بدءا من تاريخ التصريح بالحكم بالنفقة، على خلاف "مالك" الذي جعلها خاضعة للسلطة التقديرية للقاضي الذي يحدد هذه المدة بحسب مقتضى حال الزوجين، و مصدر عيشهما و الظروف المحيطة بهما، على ألا تتجاوز هذه المدة سنة في جميع الأحوال، و قال أيضا أن بقاء الزوجة مع زوجها رغم عُسره و بعد صدور الحكم عليه للنفقة جائزا و يسقط حقها في طلب التطليق.

و المشرع الجزائري لم يعر إهتماما للمهلة التي يمكن أن تُمنح للزوج و لا للحالة التي يكون عليها من يُسر أو عُسر، و إنما اشترط فقط أن يكون لدى الزوجة حكم بوجوب النفقة صادر ضده و أن الزوج امتنع عن الإنفاق رغم ذلك، كما أنه لم يشر إلى أي أجل يتعين مروره بين تاريخ الحكم بوجوب النفقة و تاريخ إقامة الدعوى، مما يحملنا على الإعتقاد بضرورة مراعاة ما نصت عليه المادة (331) من قانون العقوبات و هو أجل شهرين متتاليين و هذا ما استقر عليه الإجتهاد القضائي في القرار الصادر عن المحكمة العليا بتاريخ 19/11/1984 تحت رقم 34791 و الذي جاء فيه:

"متى كان من المقرر فقها و قضاءا في أحكام الشريعة الإسلامية أن عدم الإنفاق على الزوجة لمدة تزيد على شهرين متتابعين يكون مبررا لطلبها التطليق من زوجها، و ذلك وفقا لما نص عليه الفقيه"ابن عاصم" بقوله: الزوج إن عجز عن الإنفاق في أجل شهرين استحق بعدهما الطلاق، و أن القضاء بما يخالف أحكام هذه المبادئ يُعد خرقا لقواعد فقهية مستمدة من الشريعة الإسلامية.

إذا كان من الثابت أن المطعون ضده أُدين جزائيا من محكمة الجنح بتهمة الإهمال العائلي، و حُكم عليه غيابيا بسنة حبس نافذة، فإن قضاة الإستئناف برفضهم طلب الطاعنة المتعلق بالتطليق خلقوا أحكام هذا المبدأ الشرعي، و متى كان كذلك استوجب نقض القرار المطعون فيه تأسيسا على الوجه المثار من الطاعنة في هذا الشأن".([18])

الفرع الثاني :  الهجر في المضجع فوق أربعة أشهر.

من الحقوق المتبادلة بين الزوجين حل الزوجية و المقاربة بينهما و ما يقتضيه الطابع الإنساني مما هو محرم إلا بالزواج و قد قال تعالى:([19]) {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ}و مقتضى هذه الآية أن لكلا الزوجين حق الإستمتاع بالآخر و عدم الإمتناع عن ذلك إلا لعذر شرعي.([20])

فإذا نشزت الزوجة  و عصت زوجها، صار له الحق في تأديبها إذا استوجب ذلك مصداقا لقوله تعالى :{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً }([21])

و الهجر في المضجع نوع من أنواع التأديب التي يملكها الزوج  على زوجته، وهو أن يناما معا في نفس الفراش و لكن يدليها ظهره و يمتنع عن تحقيق رغبتها الجنسية و هو المقصود من الآية الكريمة المذكورة أعلاه.

فما حكم ذلك؟ و هل يحق للزوجة أن تطلب التطليق بسبب الهجر؟

قبل كل ذلك يتعين علينا التعرض لمسائل : الهجر العادي، و الهجر المقترن  بالحلف و المسمى بالإيلاء، و كذا الهجر الناتج عن تشبيه الزوجة بمن تحرم على الزوج مجامعتها و المسمى بالظهار، متناولين الموقفين الفقهي و التشريعي و ما توصلت إليه الإجتهادات القضائية.

أولا : الموقف الفقهي :

1.الهجر العادي:

يرى الحنفية:"أن الرجل إذا كان متزوجا بامرأة واحدة و لم يضاجعها لاشتغاله بالعبادة أو لاستمتاعه بجواريه، فإنه يكون من حقها المطالبة بمبيت الزوج عندها، و لا يقدر المبيت لمدة معينة في الأسبوع، و إنما يأمره القاضي أن يبيت عندها من وقت لآخر، بحيث لا تشعر بالغيبة الطويلة عنها، أما حق المواقعة فليس من حق المرأة المطالبة به إلا مرة واحدة، لكن يجب عليه في الدين أن يكرر ذلك حتى يعف الزوجة ويمنعها من التطلع الممقوت لغيره و إلا كان آثما.

يرى المالكية :إنه إذا حصل للزوجة ضرر من ترك الجماع فلها أن تطلب التطليق لذلك، و لو كان ترك الزوج  للجماع بسبب تبتله و انقطاعه عن  العبادة أو بسبب التعب في العمل أو غير ذلك
و إذا رفعت دعواها هذه و أقر الزوج بما تدعيه زوجته من كونه لا يجامعها، فإن القاضي يأمره بمجامعتها و يضرب له أجلا بحسب اجتهاده، فإن رجع إلى معاشرتها والقيام  بحقها فذاك، و إلا حكم لها بالتطليق.

و إذا تمكنت الزوجة من إثبات أن زوجها لا يجامعها، فلا تكلف بإثبات تحقق الضرر من ذلك بل يكفيها أن تدعي أنه لحقها من ترك جماع زوجها لها ضرر،فتصدق في ذلك.

2.الإيلاء:

الإيلاء  لغة هو الحلف مطلقا سواءا كان على ترك قربان زوجته أو على شيء آخر([22])

أما اصطلاحا فقد عرفه كمال الدين بن همام في "فتح القدير" بأنه الحلف على ترك قربان زوجته أربعة أشهر فصاعدا بالله أو بتعليق القرب على ما يشق".([23])

فالحلف بالله تعالى ألا يقرب زوجته خمسة أشهر إيلاء، فإن حلف على أقل من أربعة أشهر لم يكن مواليا عند جمهور الفقهاء لقوله تعالى :{لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{226} وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{227}([24])

و اليمين التي تقع بها الإيلاء، هي اليمين بالله تعالى أو بصفة من صفاته و لهذا قال الشافعي و مالك أن الإيلاء يقع بكل يمين للعموم، فإن حلف الزوج بغير الله أو على قربان زوجته أمر ليس فيه مشقة على النفس كإطعام مسكين أو صلاة ركعتين فلا يكون مواليا و حنث اليمين يستوجب الكفارة و سقوط الإيلاء.

و يطرح التساؤل بشأن وقت وقوع الطلاق بالإيلاء؟

يرى الحنفية أنه بمجرد مضي المدة و هي أربعة أشهر يكون الطلاق بائنا مستدلين بأن الزوج يمنعها حقها فاستحق من الشرع أن تبين منه عند مضي هذه المدة.

و يرى المالكية و الشافعية و الحنابلة أنه لا يقع عليها طلاق لمجرد انقضاء مدة أربعة أشهر بل لابد من تطليق الزوج أو التطليق من القاضي ([25])مستدلين بقوله تعالى: {فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}

3.الظِّهار :

الظهار لغة: هو المقابلة بالظهر، نقول ظاهرته إذا قابلت ظهرك بظهره، و ظاهر من امرأته إذا قال لها أنت علي كظهر أمي.

و الظهار اصطلاحا تشبيه الرجل زوجته بامرأة محرَّمة عليه تحريما مؤبدا بنسب أو رضاع أو مصاهرة ([26]).

و الظهار كان طلاقا في الجاهلية، فأبطل الإسلام هذا الحكم، و جعله محرما للمرأة حتى يُكَّفر زوجها و قد أجمع العلماء على حرمته، فلا يجوز الإقدام عليه لقوله عز و جل:{الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ{2} وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ{3}([27])

و هاتان الآيتان الكريمتان تبينان حكم الإسلام في الظهار حيث صار محرما للزوجة على زوجها إلا بعد الكفارة و لا يعد طلاقا كما كان في الجاهلية.

و قد اختلف الفقهاء في بيان متى يتحقق العود في الظهار، في تفسير قوله تعالى:{ثم يعودون لما قالوا}حيث فسره الأحناف و الحنابلة و المالكية في الرأي الراجح عندهم بأن العود في الظهار إنما يتحقق بالعزم على كل من الإمساك و الوطء معا.

و قال الشافعية: إنه يتحقق بنفس الإمساك و ذلك بأن يمضي وقت يمكن أن يطلق فيه و لم يطلق، لأن إقامته زمانا يمكنه أن يطلق فيه دون أن يفعل ذلك يقوم قيام إرادة الإمساك.

و قال الظاهرية:إنه لا يترتب تحريم أثر على قول الرجل لزوجته "أنت علي كظهر أمي" إلا إذا كرر هذه العبارة مرة أخرى، فإذا قالها مرة ثانية، وجبت عليه كفارة الظّهار، و هذه الأخيرة أن يعتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، عملا بما تضمنته الآيتان القرآنيتان المذكورتان أعلاه.

ثانيا: الموقف التشريعي:

لقد تطرقنا آنفا إلى الهجر بوصفه أسلوب تأديب ضمن الموقف الفقهي و نتطرق إليه الآن بوصفه سببا شرعيا و مبررا قانونيا يخول الزوجة حق طلب فراق زوجها الذي لم تعد تطيق عشرته، فمتى رفعت الزوجة أمرها إلى القاضي، عليه أن يحكم لها بالتطليق، إذا تجاوزت  مدة الهجر أربعة أشهر لأنها المدة التي يفقد فيها التأديب معناه الإنساني كوسيلة لتقويم سلوك الزوجة و ما زاد عن ذلك يعتبر تعسفا يستوجب تدخل القاضي لرفعه.

لذلك جعل المشرع الجزائري الهجر في المضجع من بين الأسباب المبررة لطلب التطليق عملا بنص المادة (53) الفقرة الثالثة و التي جاء فيها: ".... الهجر في المضجع فوق أربعة أشهر...".

و على ذلك فالهجر المشروع هو الذي تتوفر فيه الشروط التالية:

  1. أن يهجرها و يدير لها ظهره و لا يعاملها في الفراش معاملة الأزواج.
  2. أن يدوم هذا الهجر مدة من الزمن تفوق أربعة أشهر متتالية لا يقع بين الشهر و الآخر أي إتصال بينهما.
  3. أن يكون هذا الهجر عمديا نكاية بالزوجة و ليس له ما يبرره شرعا و قانونا.
  4. أن يحافظ فيه على الطابع الذي أعطاه إياه الله عز وجل" لقوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً }([28])فإذا ذهبت صفة الجمال عنه كان ظلما.

أما إذا وقع الهجر و كان لعدة مرات و في أوقات مختلفة و متفرقة أو أنه وقع لعذر شرعي مثل أن يكون هجر فراش الزوجة قد وقع بسبب وجوده في مستشفى للعلاج أو في مكان آخر من أجل الوظيفة، فالقانون لا يجيز لها طلب التطليق بسبب الهجر في الفراش و لو تجاوزت المدة أربعة أشهر
و إذا طلبته فلا يجوز للمحكمة أن تقضي
به في مثل هاتين الحالتين.

و ما يمكن ملاحظته في هذا الصدد هو أن الهجر في المضجع مشار إليه في قانون الأسرة الجزائري كسبب من الأسباب التي تمنح الزوجة حق طلب التطليق و الذي يتفق مع الإيلاء المعروف في الفقه الإسلامي، فكليهما هو ترك وطء الزوجة و عدم الاقتراب منها لمدة أربعة أشهر فأكثر، حرام شرعا
و غير جائز قانونا لما يتضمنه من حرمانها من حق تملكه بموجب عقد الزواج و مقتضياته، و لكنهما يختلفان من عدة جوانب منها:

أن الإيلاء يمين أو قسم على عدم الاقتراب من الزوجة و ترك وطئها و جماعها، بينما الهجر في المضجع لا يفيد هذا المعنى صراحة بالقدر الذي يفيده معنى الإيلاء الذي يشترط أن يكون الهدف المبتغى من ورائه الإضرار بها، على خلاف الهجر في المضجع لمدة أربعة أشهر، إذ منح قانون الأسرة الجزائري للزوجة حق طلب التطليق للهجر دون أن يشترط نية الإضرار بها.

و يؤاخذ على المشرع الجزائري أنه أغفل ذكر الإيلاء الذي يكثر بين الناس لدواعيه المتعددة، فضلا عن أنه قاعدة شرعية ورد ذكرها بالقرآن الكريم.

هذا و يرى الأستاذ "فضيل سعد" أن المشرع أهمل الإيلاء و اعتبره يمينا معلقا على شرط، فاستبعده ليضيق من نسبة الطلاق في المجتمع و لكن ذلك لا يتم على حساب قاعدة شرعية جعلها الله سبحانه
و تعالى تعالج أحوالا خاصة، فذكرها لا يعني بالضرورة حصولها، كما أن إهمالها لا يعني عدم الحصول" خاصة أن المشرع الجزائري قد جعل من الشريعة مصدرا للأحكام التي لم يرد بشأنها نص قانوني.([29]
)

و نشاطره الرأي في ذلك، باعتبار المادة (222) من قانون الأسرة نصت على ذلك صراحة، بقولها "كل ما لم يرد النص عليه في هذا القانون يرجع فيه إلى أحكام الشريعة الإسلامية" إضافة إلى أن المادة الأولى من القانون المدني تنص على أنه:"....و إن لم يوجد نص تشريعي، حكم القاضي بمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية......."

و بالرجوع إلى ظاهر النص فإن الزوجة إذا أثبتت واقعة الهجر لمدة أربعة أشهر على الأقل يحكم لها القاضي بالتطليق دون أن يبحث عن توفر أو عدم توفر نية الإضرار بها أو نية الإصلاح أو سبب الهجر شرعيا كان أو قانونيا([30]).

إلا أن التطبيق السليم للفقرة الثالثة من المادة (53) من قانون الأسرة يستوجب من القاضي  عندما تطرح عليه دعوى التطليق للهجر أن يتأكد من توافر العناصر الأساسية و هي  العنصر المادي المتمثل في الهجر الحقيقي دون سبب شرعي مقبول و العنصر الزمني المتمثل في مدة أربعة أشهر متتالية غير متقطعة والعنصر المعنوي المتمثل في نية الإضرار بالزوجة.

وقد صدر قرار عن مجلس قضاء سيدي بلعباس –غرفة الأحوال الشخصية- بتاريخ
26/12/2004 قضى بتطليق المستأنفة من المستأنف عليه بسبب هجر هذا الأخير لها ، وفقا للفقرة الثالثة من المادة  (53 ) ، جاء في عرض أسبابه  ما يلي:

"حيث أن المستأنفة تلتمس المصادقة على محضر أداء اليمين و إلغاء الحكم المستأنف و من جديد الحكم بتطليقها من المستأنف عليه طبقا للمادة (53) من فقرة 3  من قانون الأسرة و إلزامه بأدائه لها مبلغ ثلاثين ألف دينار جزائري (000 30دج) نفقة عدة و مبلغ ألفين دينار جزائري (000 2دج) شهريا نفقة إهمال من يوم رفع الدعوى الأولى.

حيث أن المستأنف عليه يلتمس مواصلة الحياة  الزوجية و احتياطيا الطلاق بظلم منها و حرمانها من توابع العصمة ماعدا العدة.

حيث أنه بعد الإطلاع على أوراق الملف يتبين بأنه صدر حكم بتاريخ 23/04/2000 أمر المستأنفة بالرجوع إلى البيت الأصلي و أنه بعد الإستئناف أصدر المجلس قرارا بتاريخ 31/01/2001 وجه اليمين إلى الزوجة على أن المستأنف عليه هجرها في المضجع أكثر من أربعة أشهر.

حيث أن المستأنفة قامت بتنفيذ هذا القرار و أدت اليمين حسب المحضر المؤرخ في
08/06/2001 و بالتالي فإن دفوع المستأنف عليه غير مؤسسة، و يتعين الإشهاد للمستأنفة عن أدائها اليمين الموجه لها بقرار 31/01/2001 ومن ثمة الحكم بتطليقها.

الفرع الثالث : التطليق لغياب الزوج

من أهداف الحياة الزوجية المعاشرة بالمعروف و الإستقرار و بما أن الزوج هو رب الأسرة
و المسؤول عن رعايتها، فإن غيابه بدون عذر شرعي يُعد سببا في تلاشي الإستقرار و اهتزاز كيانها فالفُراق ضرر يهون أمامه عدم الإنفاق و الفُرقة به ثابتة حتى و لو كان للزوج مال ظاهر تنفق منه الزوجة لتعدد مطالب الحياة التي لا تنحصر فقط في السكن و الغذاء والكسوة.

 فالغائب هو الذي يغادر مكانه دون عودة بحيث تكون حياته معلومة ، فإن جهلت اعتبر مفقودا.

فكيف يعتبر الغياب مبررا لطلب التطليق؟ و ماهي المدة الواجب انتظارها من قبل الزوجة لطلب ذلك؟ و هو ما سنجيب عنه متعرضين لموقف الفقه و التشريع.

أولا: الموقف الفقهي:

انقسم الفقهاء المسلمون إلى اتجاهين أحدهما يجيز التفريق للغيبة و الآخر يحضره.

الرأي الأول:

و يقول به "الأحناف" و "الشافعية" و "الظاهرية" و "الشيعة الزيدية" و "الجعفرية" و هو رأي يمنع التطليق بسبب غيبة الزوج سواء كانت هذه الغيبة بعذر أو بغير عذر.

الرأي الثاني:

يقول به "المالكية" و "الحنابلة" و يعطي الحق للزوجة في طلب التطليق لغياب زوجها مع اختلافهما في التفاصيل.

بحيث يفرق الحنابلة بين الغيبة بعذر التجارة، أو طلب العلم، و بين الغيبة بعذر أوبغير عذر،
و جعلوا هذه الأخيرة سببا لطلب التطليق الذي يقبله القاضي إذا تجاوزت غيبة الزوج ستة أشهر.

و قد رُوي أن "عمر ابن الخطاب" دخل على ابنته حفصة أم المؤمنين و سألها قائلا:"أي بنية؟ !  كم تصبر المرأة عن زوجها؟ قالت: "شهرا أو اثنين أو ثلاثة و في الرابع ينفذ الصبر..." و هذا القول يطابق التشريع الإلاهي للنفس البشرية المنصوص عليه في الآية و هي مدة تسمح للزوجة بالإنحراف فجعل "عمر ابن الخطاب" أقصى مدة لغياب الزوج عن زوجته أربعة أشهر.([31])

و ذهب المالكية إلى أنه إذا غاب الزوج عن زوجته غيبة تتضرر منها، و كانت تتراوح بين سنة
و ثلاثة سنوات و الراجح سنة سواء كانت الغيبة بذر و بغير عذر أرسل إليه القاضي إعلانا بأن يحضر إلى البلد الذي تقيم فيه زوجته أو ينقلها إلى البلد الذي هو فيه، إذا كان متواجدا في مكان يصل إليه ذلك الإعلان و إلا طلقها منه، كما قد يعطيه القاضي أجلا فإذا امتثل لأمره فلا تطليق، و إذا امتنع
و انتهى الأجل و أصرت الزوجة على التطليق إستجاب إلى دعواها.

و عليه نخلص إلى القول أنه إذا كان الزوج في مكان مجهول أو لا يصل إليه الإعلان فإن القاضي يطلق الزوجة دون إمهال لعدم جدوى التأخير، فأساس التفريق بين الزوجين هو الضرر الذي يصيب الزوجة لذا يجب على القاضي دفعه فلا ضرر و لا ضرار في الإسلام.

ثانيا: الموقف التشريعي:

من بين الحالات التي أجاز فيها القانون للزوجة أن تطلب الحكم بتطليقها من زوجها ما تضمنته الفقرة الخامسة من المادة (53)من قانون الأسرة و ذلك بنصها:"...الغيبة بعد مضي سنة دون عذر و لا نفقة..."

و الغائب حسب نص المادة (110) من قانون الأسرة هو الشخص الذي منعته ظروف قاهرة من الرجوع إلى محل إقامته أو إدارة شؤونه بنفسه أو بواسطة لمدة سنة على أن يسبب غيابه ضررا للغير.

و من تحليل مضمون الفقرة الخامسة من المادة(53) من قانون الأسرة و الوارد ذكره أعلاه، يتضح بأنه لا يجوز للزوجة أن تطلب من المحكمة الحكم لها بالتطليق إلا إذا توافرت الشروط الآتية:

  • أن تكون الغيبة لمدة سنة على الأقل بدءا من يوم غياب الزوج إلى تاريخ رفع الدعوى، في حين لا يجوز لها ذلك إذا لم يمض على غيابه رفع الدعوى في حين لا يجوز لها ذلك إذا لم يمضي على غيابه هذه المدة التي يجري حسابها عند الفقهاء المسلمين بالسنة القمرية، و لكن القانون الجزائري لم يحدد هذه الكيفية و جرى العمل بالإعتماد على السنة الميلادية أخذا بموقف الإمام مالك الذي جعل مدة الغيبة بين سنة و ثلاث سنوات.
  • أن يكون هذا الغياب قد وقع من الزوج بدون عذر شرعي كما لو سافر لمجرد السفر و لم يعد،
    و يختلف الأمر لو غاب سنة أو أكثر من أجل إتمام دراسته  أو كان في مهمة وطنية تستدعي بقاءه في الخارج لمدة تفوق السنة، أو لأي سبب جدي آخر، فإن طلب الزوجة التطليق في هذه الحالات يكون مصيره الرفض.
  • أن يغيب عنها و لا يترك لها نفقة، خلال مدة غيابه، و هذه الحالة يقدرها القاضي، و يتأكد منها بجميع الطرق، حيث ينظر في الأسباب التي دفعته إلى الغياب، و البلد الذي يتواجد به و الوضعية التي آل إليها خلال الغياب  و الإجراءات  الإدارية و الظروف السياسية المحيطة به، و ما إذا كان التحويل النقدي ممكنا، فإن كانت وضعية الزوج المالية حسنة و له مصادر في الداخل دون أن يترك للزوجة ما ينفقه فإن القاضي يحفظ مصير الأسرة، و متى رفعت إليه طلب التطليق للغياب بلا نفقة يلجأ إلى التأكد من مصادر النفقة و يحكم لها بأخذ النفقة من ماله الموجود بحوزتها أو تحت حيازة الغير، و تكون الأحكام مشمولة بالنفاذ المعجل.

إن المشرع الجزائري باستعماله "محل الإقامة" لم يكن دقيقا لتوضيح ما إذا كان يُقصد بها نفس البلد أو بلد أجنبي، فإذا كان الغياب مثلا داخل الوطن بأن وجد الزوج في تمنراست و الزوجة في سيدي بلعباس بدون نفقة، فهذا التطليق يجب أن يؤسس على الضرر لا على الغياب. و يُعاب عليه أيضا أنه لم ينص على الفقدان كسبب من أسباب طلب التطليق.

فالمفقود غائب و حياته مجهولة، و لهذا يكون لزوجته ما يكون لزوجة الغائب،  و الذي عرَّفته المادة (109) من قانون الأسرة على أنه:"الشخص الغائب الذي لا يُعرف مكانه، و لا تعرف حياته أو موته، و لا يعتبر مفقودا إلا بحكم" إذ يجوز الحكم بموت المفقود في الحروب و الحالات الإستثنائية بمضي أربع سنوات بعد التحري، أما في الحالات التي تغلب فيها السلامة يفوض الأمر إلى القاضي في تقدير المدة المناسبة بعد مضي هذه المدة، و هو مستنبط من رأي المالكية الذين اعتمدوا التقسيم الخاص الذي نبينه فيما يأتي:

أولا:إذا فقد في حالة السلم في دار الإسلام فإن زوجته تؤجل أربع سنوات ثم تعتد عدة وفاة، و تحل للأزواج بعدها، إن دامت نفقتها من ماله، و إلا طُلقت لعدم النفقة.

ثانيا:إذا فقد في دار الشرك كالأسير لا يعلم له خبر، فإن زوجته تبقى مدة التعمير، أي موت أقرانه متى يغلب على الظن عندها موته ثم تعتد عدة وفاة، و تحل للأزواج، و قد رأوا ذلك ببلوغه السبعين و قيل الثمانين و قيل غير ذلك، إن دامت نفقتها من ماله و إلا طلقت عليه.

ثالثا:إذا فُقد في حالة حرب بين طائفتين من المسلمين فإنها تعتد عقب انفصال الصفين و خفاء حاله،
و تحل بعدها للأزواج.

رابعا:إذا فُقد في حرب بين طائفة مؤمنة و أخرى كافرة، فإنه يُكشف عن أمره ويُسأل عنه، فإن خفي حاله أُجلت زوجته سنة ثم اعتدت للوفاة، ثم حلت للأزواج([32]).

لكن ما الحكم  إذا ظهر المفقود حيا بعد الحكم بوفاته؟

- إذا كانت زوجته لم تتزوج غيره بعد عدتها فهي له، و إن تزوجت غيره، فإن كان الزواج غير صحيح، أو كان الزوج الجديد يعلم بحياة الأول فكذلك، و إن كان الزواج صحيحا، و لا يعلم الزوج الثاني بحياة الأول فهي للثاني إن دخل بها عند الجمهور و إلا فهي للأول أيضا([33])

وفي إطار تربصنا الميداني بمحكمة مقر المجلس بسيدي بلعباس عاينا صدور حكم بتاريخ         13/04/2004 –قسم الأحوال الشخصية- قضى بتطليق المدعية من المدعى عليه بسبب غياب هذا الأخير عنها مدة تفوق السنة تاركا إياها وابنتها بدون نفقة وفقا للفقرة الخامسة من المادة (53) ، جاء فيه ما يلي :

"حيث أن المحكمة سعت لإصلاح ذات البين بجلسة 30/03/2004 إلا أن محاولتها باءت بالفشل إذ أصرت المدعية على طلب التطليق.

حيث ثبت للمحكمة أن طلب المدعية الرامي إلى التطليق مؤسسا قانونا كون المدعى عليه سافر في شهر جوان 2000 إلى فرنسا تاركا إياها و ابنتها دون رعاية و لا نفقة لذا تستجيب له المحكمة."

 المطلب الثاني: التطليق للعيوب

قد يوجد بأحد الزوجين عيبا بدنيا كان أو عقليا يجعل الحياة الزوجية غير مثمرة، لا استقرار فيها نتيجة عدم إنجاب الأولاد، و قد اتفق الفقهاء المسلمون على أن المرأة إذا وجدت زوجها معيبا بعيب من العيوب، التي تحول دون تحقيق الهدف من الزوج ثبت لها الخيار بين الفُرقة و  بين بقاء عقد النكاح.

إذا كانت الحياة الزوجية تنبني أساسا على التآلف و التعاون و من أهدافها تنظيم العلاقات الجنسية
و إنجاب الأولاد و بناء أسرة منسجمة، فإن هناك عيوبا و عللا و أمراضا تقضي عليها و تؤثر على مقاصد الزواج، و لذلك منح
القانون للزوجة حق طلب التطليق بسبب وجود عيب في الزوج لم تعلمه قبل أو أثناء أو بعد عقد الزواج و هو السبب الذي نصت عليه الفقرة الثانية من المادة (53) من قانون الأسرة بقولها "...العيوب التي تحول دون تحقيق الهدف من الزواج...".

و المقصود بالعيب هو كل نقصان بدني أو عقلي في الزوج يمنع من تحقيق مقاصد الزواج و التمتع بالحياة الزوجية، الأمر الذي أُعطي معه للمرأة حق طلب التطليق.([34])

من هذا التعريف يتبين أن كل عيب في أحد الزوجين له تأثيره على مسار الرابطة الزوجية لدرجة أنه قد يؤدي إلى حلها، فقد ثبت في السنة النبوية الشريفة رواية عن الإمام أحمد في مسنده أن الرسول
-صلى الله عليه و سلم- تزوج امرأة من بني غفار و لما دخل عليها وضع ثوبه و قعد على الفراش أبصر على كشحها بياضا و هو مرض جلدي فأنحاز على الفراش، ثم قال:خذي ثيابك، و لم يأخذ مما أتاها شيئا".

و في الموطأ عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال:"أيما امرأة غُرَّ بها رجل، بها جنون أو جذام([35]) أو برص([36]) فلها المهر لما أصاب منها و صَداق الرجل على من غرَّه".

أما في شأن ثبوت حق التطليق للعيب، فقد اتفق أصحاب المذاهب الأربعة و الإمامية على التفريق للعيوب التناسلية التالية:

الجب([37])، العنة([38])، و الخصاء (و هو مقطوع الخصيتين)، و لكنهم اختلفوا فيما عدا ذلك من العيوب و هذا ما سنتطرق إليه بنوع من التفصيل متعرضين للموقفين: الفقهي و التشريعي و ما توصل إليه الإجتهاد القضائي.

أولا  : الموقف الفقهي

اتفق علماء الحنفية على أنه لا خيار للزوج في فسخ الزواج بسبب عيوب الزوجة مطلقا،          و اختلفوا في الخيار بعيوب الزوج, فقال "أبوحنيفة" و "أبويوسف":لا فسخ إلا للعيوب التناسلية الثلاثة و هي الجب، العنة و الخصاء لأنها غير قابلة للزوال، فالضرر فيها دائم و لا يتحقق معها المقصود الأصلي للزواج([39]).

و شروطهم في ذلك:

  • ألاَّ يكون الزوج قد وصل إلى الزوجة، فإن وصل لها و لو مرة واحدة في العمر لم يثبت لها حق طلب التطليق.
  • ألاَّ تكون الزوجة عالمة بالعيب وقت النكاح، فإذا كانت على علم به لم يثبت لها حق طلب التطليق.
  • ألاَّ ترضى بالعيب بعد علمها به، فإذا علمت و رضيت، ليس لها طلب التطليق بشرط أن تعلن رضاها صراحة، فالسكوت هنا لا يعبر عن رضاها.
  • ألاَّ يكون في الزوجة عيب مانع من الإتصال الجنسي فإن كان بها عيب، فلا حق لها في طلب التفريق  لأن الإضرار هنا غير متوافر باعتباره أساسا لطلب ذلك.([40])

و ذهب الشافعي  و أحمد إلى أن العيوب التي يجوز للزوجة أن تطلب الفسخ بسببها هي الجب، العنة، الجنون، الجُذام و البرص، فإذا كان بزوجها واحد من هذه العيوب كان لها أن ترفع أمرها إلى القاضي    و تطلب منه فسخ  النكاح.

أما المالكية فقد اعتبروا التفريق للعيوب طلاقا لا فسخا و وافقوا الإمامين أحمد و الشافعي في تلك العيوب، غير أنهم زادوا عيوبا أخرى مفصلة في كتبهم.([41])


أما الإمامية فقد ذهبوا إلى تعداد العيوب بإحدى عشر عيبا، أربعة في الرجل و هي:الجنون،
و الخصاء    و العنة و الجب، و سبعة في المرأة هي :الجنون، الجذام، البرص، القُرن([42]
)- الإفضاء، العمى و المرج([43]).

و قال بن قيم الجوزية في زاد المعاد:"إن القياس أن كل عيب يُنفر الزوج الآخر منه و لا يحقق مقصود النكاح يوجب الخيار"([44])

و قد نُقل عن "الزهري" أنه قال:"يرد النكاح من كل داء عضال" و هذا رأي أبي ثور و شريح.

و قال الظاهرية:"لا خيار للزوج و للزوجة إذا وجد أحدهما  في صاحبه عيبا من العيوب، جذاما أو برصا أو قرنا أو غيرها حدث قبل العقد أو بعده". ([45])

ثانيا: الموقف التشريعي :

لقد أباح المشرع الجزائري للزوجة حق طلب التطليق للعيوب، إلا أنه لم يُعرِّف المقصود بالعيب   و لم يبين نوعه، أهو عيب جنسي أو غير ذلك، بل وصفه بأنه كل عيب يحول دون تحقيق الهدف من الزواج، و اعتمد بذلك عبارة فضفاضة و عامة وردت في الفقرة الثانية من المادة(53) من قانون الأسرة دون أن يذكر أي عيب من العيوب و لو على سبيل المثال و اكتفى باعتماد معيار موضوعي لتحديدها  و هو أن تحول هذه العيوب  دون تحقيق الهدف من الزواج([46]). و حسنا ما فعل المشرع باعتبار العيوب  و العلل و الأمراض التي تحول دون تحقيق الهدف من الزواج كثيرة و متنوعة و من الصعب حصرها،    و يخرج من عدادها-حسب مفهومه- كل ما لم يكن عائق في تحقيق أغراضه سواءا كان العيب عقليا أو ماديا.

و عليه فإذا اكتشفت الزوجة عيبا بزوجها لم يكن معلوما قبل الزواج أو اطلعت على مرض أصابه بعد الزواج من شأنه الحيلولة دون ممارسة العلاقات الجنسية مثل الخصاء و العنة أو من شأنه الحيلولة دون إنجاب الأولاد مثل مرض العقم أو من شأنه دفع الزوجة إلى النفور من زوجها و الإشمئزاز منه أو الخوف من آذاه، و خطورة تصرفاته مثل أمراض الجذام و البرص و غيرها من الأمراض الخطيرة المعدية و الدائمة كالجنون و الصرع المستمر، فإنه من حقها أن تدفع الضرر عن نفسها بالتوجه إلى القضاء لطلب التطليق من زوجها المريض([47]).

و في هذا الإطار صدر قرار عن المحكمة العليا بتاريخ 16/02/1999 جاء فيه:"من المقرر قانونا أنه يجوز للزوجة أن تطلب التطليق لكل ضرر معتبر شرعا، و متى تبين في قضية الحال أن المعاشرة الزوجية كانت طويلة بين الزوجين و أن الطاعن لم ينجب طيلة هذه المدة، مما أدى بالزوجة أن تطلب التطليق لتضررها لعدم الإنجاب، و عليه فإن قضاة  الموضوع بقضائهم بتطليق الزوجة بسبب العيب الذي يحول دون تحقيق الهدف من الزواج طبقوا القانون تطبيقا سليما و متى كان ذلك استوجب رفض الطعن"([48]).

إن طلب الزوجة التطليق بسبب عيب في زوجها و استجابة القاضي لها معلقان على كون العيب ناتجا عن مرض مستمر و دائم لا يتوقع شفاؤه، أما إذا كان مرضه من الأمراض التي يمكن علاجها      و الشفاء منها خلال أجل يراه الأطباء معقولا لا يتجاوز الشهور فإنه يكون على الزوجة أن تصبر مع زوجها و إذا تقدمت بطلب التطليق فإنه على المحكمة أن تمهله أجلا  لمواصلة العلاج أملا في شفائه، كما يمكن تمديده مرة أو مرتين، و عند اليأس يحُكم لها بالتطليق من الزوج العليل.

و إذا كان المرض الذي أصاب الزوج ليس من شأنه الحيلولة دون تحقيق الهدف من الزواج مثل ما يصيب الزوج جراء حادث مرور و يمنعه من الحركة أو الصرع الطارئ المتقطع الذي يأتي الزوج حينا   و يتركه أحيانا، فإنه لا يجوز للزوجة طلب التطليق بسببه لأن مثل هذا المرض لا يحول دون تحقيق الغرض من الزواج.

و يُطرح التساؤل بشأن المدة التي تنتظرها الزوجة لطلب التطليق للعيب و في هذا اختلف الفقهاء المسلمون، فقال مالك والشافعي أن مرور مدة من الزمن على سكوتها يُسقط حقها في طلب التطليق، لأنه بمثابة الرضى الضمني بالعيب الموجود، أما الإمامين أبو حنيفة و أحمد فيشترطان الرضى الصريح،    و في هذا لم يحدد المشرع الجزائري مدة معينة يسقط خلالها حق الزوجة في طلب التطليق، بل أباح لها أن ترفع دعواها التي يجب قبولها متى توافرت الشروط التالية:

  1. أن ترفع دعوى التطليق.
  2. أن يتأكد وجود ما تدعيه بخبرة الخبراء أو بأية وسيلة أخرى كالإقرار دون أن يرتبط ذلك بزمن معين.([49])

و هذا الموقف أسلم من اعتبارها راضية ضمنا لأن مجرد رفع الدعوى يعتبر رفضا و متى حصل ذلك كان البقاء بعده ضررا وجب رفعه، و بالتالي الإستجابة لطلبها، فإن تنازلت عنه صراحة أمام القضاء، فلا يحق لها أن تطلب التطليق لنفس العيب مرة أخرى إلا لسبب آخر غير العيب الذي تنازلت عنه، لأن مدة سكوتها قد تتطلبها طبيعة المرض، كما لو كان الظن يغلب على شفائه منه، فانتظرته.([50])

إلا أنه يؤاخذ على المشرع الجزائري أنه لم يحدد صراحة مهلة معينة يمنحها للزوج المصاب من أجل العلاج.

هذا و يُلاحظ عمليا أنه إذا وجد عيب بالزوج و طلبت على إثره الزوجة التطليق،  فإن القاضي يؤجل الحكم بالتطليق إلى مدة معينة معلومة لا تتجاوز السنة، إذ جاء في قرار المحكمة العليا الصادر بتاريخ 19/11/1984 " تحت رقم 437841 متى كان من المقرر في الفقه الإسلامي وعلى ما جرى به القضاء أنه إذا كان الزوج عاجزا عن مباشرة زوجته يُضرب له أجل سنة كاملة من أجل العلاج،
و أن الإجتهاد القضائي استقر على أن تكون الزوجة أثناء تلك المدة بجانب بعلها، وبعد انتهائها فإن لم تتحسن حالة مرضه، حكم للزوجة بالتطليق، فإن القضاء بما يخالف أحكام هذه المبادئ يعد خرقا لقواعد الشريعة الإسلامية"([51]
).

كما جاء في ذات القرار أنه "إذا كان من الثابت أن قضاة الإستئناف لم يحترموا هذه القاعدة الشرعية و اعنبروا أن الفترة التي مكثت فيها الزوجة سابقا بسكن زوجها دون استطاعة هذا الأخير مباشرتها جنسيا  تعد كافية لإثبات عجزه المستمر عن ذلك، و الحال أن الإجتهاد القضائي استقر على أن السنة التي تمنح للزوج يبدأ مفعولها من يوم تاريخ تنفيذ الحكم القاضي بها، فإن هؤلاء القضاة خالفوا مبادئ و أحكام الشريعة الإسلامية فيما قضوا به، و متى كان ذلك استوجب نقض القرار المطعون فيه تأسيسا على هذا الوجه المثار من الزوج الطاعن".

كيفية إثبات العيب في دعوى التطليق:

يثبت العيب بكافة الأدلة و الوسائل القانونية الممكنة مثل شهادة الشهود و الشهادات الطبية المعتمدة و ذلك سواءا تعلق الأمر  بوجود المرض أو بخطورته على الحياة الزوجية و على الزوجة نفسها، كما يجوز للقاضي أن يأمر بعرض الزوج المدعى عليه على طبيب خبيرمن تلقاء نفسه إذا كانت الزوجة قد عجزت عن إثبات ذلك بالوسائل الأخرى، و كان القاضي لا يستطيع الوصول إلى معرفة الحقيقة بغير ذلك ثم يصدر حكمه بالتطليق أو برفضه حسب ما هو موجود بين يديه من دلائل و حجج.

و تجدر الملاحظة أن السيدا يعتبر من الأمراض الحديثة التي تبيح طلب التطليق.

المطلب الثالث :الأسباب المتعلقة بارتكاب جرائم معاقب عليها جزائيا

انتهينا فيما سبق إلى أنه يحق للزوجة طلب التطليق في حالة إخلال الزوج بالتزاماته الزوجية        و العائلية، لاسيما ما يتعلق منها بالجانب المادي و ما يترتب عنه من أضرار للأسرة ككل كالنفقة،      و كذا الحال إذا تعلق الأمر بوجود عيب بالزوج يحول دون تحقيق الهدف من الزواج، قد تلحق أيضا بالزوجة أضرارا معنوية بسبب سلوكات و تصرفات زوجها، كارتكابه لإحدى الجرائم المعاقب  عليها شرعا و قانونا يهتز لها كيان الأسرة و تؤدي إلى خلق جو من التوتر و التنافر و عدم الإنسجام، و تؤثر على استقرار الحياة الزوجية و استمرارها. فهل يحق للزوجة تبعا لذلك طلب التطليق؟

هذا ما سنتناوله ضمن هذا المطلب في فرعين نتعرض في الأول  إلى التطليق للحكم بعقوبة شائنة مقيدة للحرية، و في الثاني إلى التطليق لارتكاب فاحشة مبينة، على النحو التالي :

االفرع الأول: التطليق للحكم بعقوبة مقيدة للحرية.

قد يرتكب الزوج جريمة يُعَاقب عليها القانون، فتتضرر زوجته خاصة و أن من العقوبات ما يرغمها على انتظاره السنين الطوال، و هذا ما ينافي مقاصد التشريع، فهل يعتبر  حبس الزوج سببا مبررا لطلب الزوجة التطليق؟

للإجابة على هذا التساؤل نتطرق إلى الموقفين: الفقهي و التشريعي و ما توصل إليه الإجتهاد القضائي في هذا الإطار.

أولا: الموقف الفقهي:

لم يجز الجمهور التفريق لحبس الزوج أو اعتقاله أو أسره مهما طالت المدة سواء كان مكانه معروفا أم لا، كونه غائب معلوم الحياة و له عذر.

في حين ذهب "المالكية" إلى جواز التفريق لحبس الزوج إذا طلبت زوجته ذلك، و ادعت الضرر بعد سنة من حبسه، لأن هذا الأخير غياب و هم يجيزون التفريق للغيبة سواء كان ذلك بعذر أم بغير عذر، فإذا كانت مدة الحبس سنة فأكثر جاز للزوجة طلب التفريق من القاضي الذي يفرق بينهما بدون كتابة للزوج أو إنذار  و في هذه الحالة تكون الُفرقة طلاقا "بائنا".

بينما ذهب الإمام "ابن تيمية" في فتاويه إلى هذا القول في امرأة المفقود و هو بذلك يقترب  من الفقه المالكي.

ثانيا: الموقف التشريعي:

إن من بين الحالات التي أجاز فيها القانون للزوجة أن تطلب الحكم بتطليقها من زوجها، هو ما نصت عليه الفقرة الرابعة من المادة (53) و التي جاء فيها :"يجوز للزوجة أن تطلب التطليق من زوجها في حالة الحكم بعقوبة شائنة مقيدة لحرية الزوج لمدة أكثر من سنة فيها مساس بشرف الأسرة و تستحيل معها مواصلة العشرة و الحياة الزوجية...".

و عليه يتبين من تحليل ما تضمنته هذه الفقرة أن المشرع الجزائري قد أباح للزوجة حق طلب التطليق بسبب حبس الزوج لأكثر من سنة، و هذا دفعا للضرر الذي قد يلحقها جراء غيابه عنها و وفقا لأحكام هذا النص لابد من توافر شروط سنبينها فيما يلي:

1.الحكم بعقوبة شائنة:

يقصد بالعقوبة الشائنة تلك الأفعال المعاقب عليها و التي تشمئز لها النفوس، و تأباها الأخلاق،    و أحكام الشريعة الإسلامية  السمحاء و ما يعاب على الفقرة الرابعة من المادة (53) من قانون الأسرة أنها جاءت بصياغة رديئة، بحيث وصفت عمل القاضي بالشائن متناسية في ذلك الفعل المجرم المرتكب من قبل الزوج، في حين كان على المشرع أن يصغها على النحو التالي:"الحكم بعقوبة لمدة أكثر من سنة عن أفعال شائنة..." هذا من ناحية، و من ناحية أخرى فإن  لفظ شائنة في حد ذاته غير سليم، فلو كان واردا في صيغته الدالة على المبالغة لكان أفضل فيقول "مُشينة" لأن الأفعال ليست هي التي تقوم بإصدار وصف "الشين"على نفسها و على العقوبة و إنما هي محكوم عليها بهذا الوصف.([52])

ضف إلى ذلك يُطرح التساؤل حول المقصود بالعقوبة "الشائنة"فهل حددها قانون العقوبات تحت هذا الوصف أم حددتها الشريعة الإسلامية؟ و ما هو المعيار الذي يمكن اعتماده من طرف القاضي ليصل به إلى اعتبار الجريمة شائنة أو غير ذلك و من ثمة يقبل طلب التطليق أو يرفضه؟

لقد حدد قانون العقوبات الجرائم و العقوبات المقررة لها و جعل بعضها جرائم أخلاقية تتعلق بالآداب العامة و النظام العام و البعض الآخر يتعلق بالأشخاص أو الأموال، فأين وصف الشين في كل ما سبق؟ و هل يتعلق بجميع هذه الأصناف أم يخص فقط الجرائم الأخلاقية؟

بالرجوع إلى الشريعة الإسلامية نجدها اعتبرت جريمة "الزنا" فعلا شائنا مصداقا لقوله تعالى:"لا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة و مقتا و ساء سبيلا"

لكن قانون العقوبات جرم فعل الزنا المرتكب من قبل أحد الزوجين و هكذا يصبح نص الفقرة الرابعة المذكورة أعلاه يتضمن فكرة مرنة تسمح للقاضي أن يُدخل ما يشاء من الأفعال تحت هذا الوصف "الشين".

2.أن تكون العقوبة مقيدة للحرية:

يشترط القانون أن تكون العقوبة سالبة للحرية، و يتم تنفيذها دون الإستفادة من منحة العفو كليا أو جزئيا، أما إذا حُكم على الزوج بعقوبة موقوفة التنفيذ لمدة أكثر من سنة أو سبق له أن أُودع الحبس المؤقت، فالعقوبة في هذه الحالة غير سالبة للحرية و لا تصلح أن تكون سببا لطلب التطليق حسب مفهوم هذه الفقرة.

و تجدر الإشارة في هذا الصدد أن المشرع الجزائري لم يبين طبيعة الحكم القاضي بالعقوبة إن كان نهائيا أم لا، على خلاف القانون المصري الذي جعله نهائيا.

3.أن تكون العقوبة لمدة أكثر من سنة :

يجب إثبات صدور حكم قضائي ضد الزوج يشتمل على عقوبة الحبس أو السجن لمدة تفوق السنة، حتى يتسنى للزوجة طلب التطليق  فلو كانت مدة العقوبة تتراوح بين الشهر و إحدى  عشر شهرا فلا يجوز لها أن تطلب ذلك، و هذا لعدم توافر المدة المحددة قانونا، رغم توافر الأوصاف الأخرى في الفعل المعاقب عليه، لأن تعبير المشرع في المادة (53) للفقرة الرابعة من قانون الأسرة "لمدة أكثر من سنة" يفيد أن سنة كاملة قد لا تسمح برفع طلب التطليق.

4.أن تكون العقوبة ماسة بشرف الأسرة:

إن المشرع باستعماله لعبارة "العقوبة الماسة بشرف الأسرة" قد عمم الوصف و جعل معياره غير دقيق، كما هو الحال بالنسبة لما أسلفنا ذكره بمناسبة تطرقنا للشرط الأول و المتمثل في كون العقوبة شائنة و بالتالي فإن الجرائم و العقوبات التي تمس بشرف الأسرة، يصعب علينا حصرها في عدد معين، لدرجة يمكن معها القول أن معظم العقوبات التي تسلط على الزوج بسبب ارتكابه جريمة من الجرائم هي عقوبات تتضمن هذا الوصف لاسيما جريمة الزنا و الفاحشة بين المحارم. و بالتالي تبقى للقاضي دوما السلطة التقديرية في اعتبار أية جريمة ماسة بشرف الأسرة أو غير ذلك.

5.أن تكون العقوبة قرينة على استحالة مواصلة العشرة الزوجية:

لقد بالغ المشرع الجزائري في استعماله لمصطلح "الإستحالة" إذ أن الحكم على الزوج بعقوبة شائنة مقيدة للحرية و لمدة تفوق السنة و فيها مساس بشرف الأسرة، لا يؤدي حتما إلى استحالة مواصلة الحياة الزوجية، و إنما قد يخلق جوا من التوتر يصعب معه استمرار الحياة بين الزوجين، لذا أُعطي للزوجة حق طلب التطليق و للقاضي في ذلك  السلطة التقديرية الكاملة، مستعينا بالمعيار الموضوعي لتقدير درجة التوتر  و الضرر ومدى إمكانية مواصلة العشرة الزوجية من عدمها لقبول طلب الزوجة أو رفضه.

و كما أسلفنا القول يجب أن يقضي الحكم بعقوبة مقيدة للحرية و نافذة، و هذا أمر منطقي لارتباط الحبس بغيبة الزوج، و إلا فلا مبرر لطلب الزوجة التطليق عندما تكون العقوبة موقوفة التنفيذ،   و هذا ما نعيبه على المشرع الجزائري الذي لم يحدد نوع العقوبة بدقة.

وفي إطار تربصنا بمجلس قضاء سيدي بلعباس عاينا صدور قرار عنه بتاريخ 25/05/2004 قضى بتطليق المستأنفة من المستأنف عليه بسبب الحكم عليه بعقوبة شائنة مقيدة للحرية المتمثلة في إدانته من مجلس قضاء سيدي بلعباس بتاريخ 14/10/2001 بجرم المتاجرة بالمخدرات طبقا للفقرة الرابعة من المادة (53) و أسند حضانة الأولاد لأمهم مع تقرير حق الأب في زيارتهم ، جاء فيه أنه:

"حيث أن المستأنفة تلتمس إلغاء الحكم المستأنف الصادر بتاريخ 23/04/2004 القاضي بعودة المستأنفة إلى بيت الزوجية ، والحكم من جديد بتطليقها من المستأنف عليه طبقا للفقرة الخامسة من المادة (53) من قانون الأسرة.

و حيث أن هذه العقوبة مشينة تمس بالشرف فإن طلب المدعية يكون مؤسسا لاستحالة العشرة في هذه الحالة، ومن ثمة إلغاء الحكم المستأنف فيه المؤرخ 23/04/2000 و من جديد الحكم بتطليق المستأنفة من المستأنف عليه طبقا للمادة (53) فقرة 4 من قانون الأسرة، و الأمر بتسجيل هذا القرار على هامش وثائق الحالة المدنية للطرفين".

الفرع الثاني :التطليق لارتكاب فاحشة مبينة

يمكن تعريف الفاحشة من خلال تحديد مدلولها اللغوي الشائع و كذا ما ورد في القرآن الكريم.

فنقول مثلا عن الأمر أنه فاحش، إذا زاد عن الحد المعقول و نقول عن الخسارة أنها فاحشة إذا كانت كبيرة، فيصبح معنى الفُحش هو الزيادة المبالغ فيها، فنقول خسر فلان في الصفقة خسارة فاحشة و تعرض الآخر لغبن فاحش في قسمة التركة ...إلخ.

و في غياب آراء الفقهاء بهذا  الشأن، لا يبقى لنا سوى الإستدلال بخير دليل و هو ما ورد في القرآن الكريم من آيات عدة، تصور الفاحشة في الأمور التي تخل بالأنظمة إخلالا كبيرا، و من ذلك قوله تعالى:{وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً}([53])و قال أيضا: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً }([54])يصف ما كان يرتكبه الناس في الجاهلية من الأخطاء التي تمس صلب النظام الإجتماعي بعد أن حرم العودة إلى مثل هاته الأفعال و قد حدد الله تعالى طبيعة الفاحشة بأنها متعلقة بخطورة الفعل في حد ذاته لا من حيث سريته   و علانيته و حرم إتيانه حتى لو أخفاه صاحبه عن الناس مصداقا لقوله تعالى {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }([55])و بناءا عليه فعندما ترفع الزوجة طلب التطليق لارتكاب زوجها الفاحشة فعلى القاضي  ألاَّ يستجيب لطلبها إلا بعد أن يتأكد من انطباق هذا الوصف على الفعل المرتكب       و المؤسس عليه الدعوى و ذلك اعتمادا على ثلاثة أمور أساسية تكون المعيار الذي يقاس به الفعل       و يكيف على ضوئه ما إذا كان فاحشا أو غير ذلك:


  1. نظرة الدين إلى الفعل :

يعتبر في نظر الدين فاحشة كل فعل من الكبائر كالشرك بالله أو عصيان الوالدين أو الزنا أو الفواحش بين المحارم سواء ظهرت للناس أم لم تظهر.

  1. مقتضى العقل السليم :

و مفاده أن العقل يرفض الإنحراف و يفر من الخطأ معتمدا في أحكامه هذه على القواعد الإسلامية و العُرف و ظروف المجتمع.

  1. الإرادة الإجتماعية:

القاضي ابن بيئته، فيبني أحكامه على ما هو سائد في مجتمعه من عادات و تقاليد و قيم
و أعراف و ثقافات و على نحو يطابق كتاب الله و سنة رسوله –صلى الله عليه و سلم-
و بالتالي فكل فعل تستنكره القيم الإسلامية و أخلاق المجتمع العربي، يكون عملا فاحشا يبيح للزوجة طلب التطليق([56]
)

أولا: الموقف التشريعي :

نصت الفقرة السابعة من المادة (53) من قانون الأسرة على أنه يجوز للزوجة طلب التطليق لارتكاب الزوج فاحشة مبينة، و هي حالة يوشك المشرع الجزائري أن ينفرد بالنص عليها، دون سواه من قوانين البلاد العربية الإسلامية الأخرى.

هذا و يُلاحَظ أن هذه الفقرة تشملها الفقرتان الرابعة و السادسة من  ذات المادة و استنادا إلى الآيات الكريمة المذكورة أعلاه، يتبين أن المقصود بالفاحشة في هذه الفقرة هو فعل الزنا.

و هناك من يرى أن المقصود بالفاحشة المبينة هي تلك العلاقات الجنسية التي تُرتكب بين ذوي المحارم و المنصوص عليها بالمادة (337) مكرر من قانون العقوبات، و قد ذكر المشرع على سبيل الحصر تلك الفواحش في ذات القانون و منه فهو في غير حاجة إلى إعادة ذكر ما يُعَد فاحشة ضمن قانون الأسرة، باعتبار كلا القانونين صادرين عن نفس المشرع لكن يثور التساؤل بالنسبة لجريمة الزنا فيما إذا كانت تدخل ضمن الفواحش أم لا؟

و باعتبار أن قانون العقوبات لم يدرج جريمة الزنا ضمن الفواحش بل الشريعة الإسلامية هي من اعتبرتها كذلك، فما هو القانون الواجب التطبيق لما تعرض المسألة على القاضي؟ فهل يطبق الشريعة الإسلامية أم النصوص التشريعية؟

بالرجوع إلى أحكام المادة الأولى من القانون المدني، نجدها تنص على ما يلي:"يسري القانون على جميع المسائل التي تتناولها نصوصه  في لفظها أو في فحواها و إذا لم يوجد نص تشريعي حكم القاضي بمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية"

و طبقا لمبدأ تدرج القوانين فإن القاضي ملزم بتطبيق القانون أولا قبل اللجوء إلى أحكام الشريعة الإسلامية.

كما خص المشرع الجزائري جريمة الفاحشة بحكم خاص، فلم يشترط أن تصدر في هذه الجريمة عقوبة سالبة للحرية، و لمدة تفوق السنة، بل اشترط فقط أن تكون الجريمة المرتكبة من الفواحش مهما كانت العقوبة و لو لمدة تقل عن السنة، و لو كانت غير سالبة للحرية،فيحق للزوجة أن تطلب التطليق([57]).

و حسنا ما فعل المشرع لما أتاح للزوجة حق طلب التطليق إذا تعلق الأمر بارتكاب الزوج لفاحشة مبينة دون حاجة لاستصدار حكم يقضي بإدانة هذا الأخير.

بعد أن تعرضنا لكافة الأسباب التي أوردتها المادة (53) من قانون الأسرة يمكن القول أنه يبدو لأول وهلة أن المشرع جاء بها على سبيل الحصر، إذ لا يمكن للزوجة أن تؤسس طلبها للتطليق إلا على أحدها و ذلك ما ورد بالقرار الصادر عن المحكمة العليا بتاريخ 12/01/1987 تحت رقم 43864، الذي جاء فيه "من المقرر شرعا أن تطليق  المرأة على زوجها من غير أن تأتي بأسباب شرعية التي تعتمد عليها و من غير أن تثبتها بأدلة و حجج تُقبل شرعا يعد خرقا للقواعد الشرعية. و لما كان من الثابت في قضية الحال أن المطعون ضدها أقامت دعوى بهدف تطليقها من زوجها بناءا على أنه يهينها أو يسيء إليها دون أن تدعم أقوالها بأي دليل فإن قضاة المجلس بإلغائهم الحكم المستأنف لديهم و من جديد القضاء بتطليقها  خرقوا النصوص الفقهية و حكموا دون دليل.

و متى كان كذلك استوجب نقض القرار المطعون فيه"([58])

لكن عبارة "كل ضرر معتبر شرعا" الواردة بالفقرة السادسة من ذات المادة توحي أن هذه الأسباب ذكرت على سبيل المثال لا على سبيل الحصر،  نظرا لطابعها العام و الشامل، و بذلك تبقى للقاضي السلطة التقديرية الكاملة في الموضوع يوظفها بحسب ظروف و خصوصيات كل حالة .

المطلب الرابع: التطليق للضرر:

أجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يسيء الزوج إلى زوجته في المعاملة و لا أن يؤذها بالقول، و هذه مبادئ قررها الإسلام، فقد قال عز وجل : { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ }([59])و قوله كذلك:{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف}([60])

لكن مع هذا جعل الإسلام للزوج الحق في تأديب زوجته فله ولاية تأديبها إذا خالفته و لم تطعه فيما يجب عليها طاعته شرعا،  و لكن إذا تجاوز هذا التأديب حده على نحو يسيء للزوجة و يؤذيها في المعاشرة بالقول أو بالفعل بأن كان يضربها ضربا مبرحا، أو يشتمها أو يحملها على فعل غير مباح شرعا، فهل يجوز للزوجة أن تطلب من المحكمة التطليق في مثل هذه الأحوال؟

ذلك ما سنتناوله تفصيلا متعرضين لموقف فقهاء الشريعة الإسلامية من هذه  المسألة، لنمر بعدها إلى موقف المشرع منها، و ننتهي في الأخير إلى ما توصل إليه الإجتهاد القضائي بشأنها. لكن قبل ذلك وجب علينا معرفة المقصود بالضرر، وما هي المعايير المعتمدة لتقديره؟

الضرر هو إيذاء الزوج لزوجته بالقول أو بالفعل، و هو كل ما يجاوز حق التأديب المباح شرعا،
و لا تقدر الزوجة الصبر عليه، و يستحيل معه دوام العشرة الزوجية.

أما معيار تقدير تضرر الزوجة فهو معيار شخصي يختلف من امرأة لأخرى، باختلاف البيئة
و الثقافة و العمل و الوسط الإجتماعي، و لا يشترط تكراره، إذ يكفي أن يتسبب فيه الزوج و لو لمرة واحدة، و كل ذلك متروك لتقدير قاضي الموضوع.

أولا: الموقف الفقهي:

انقسم بهذا الشأن إلى اتجاهين نعرضهما فيما يأتي:

الرأي الأول:

يرى الحنفية والجعفرية و الشافعية و الظاهرية والشيعة الإمامية و رواية للحنابلة أن المرأة ليس لها الحق في طلب التطليق من زوجها  حتى و لو طلبت ذلك بسبب إيذائها بالقول أو بالفعل و معاملتها بما لا يُستطاع معه دوام العشرة بين أمثالهما، و على القاضي أن يأمر الزوج بحسن المعاشرة و الإحسان في المعاملة، فإن لم يمتثل عاقبه تعزيرا بحسب ما يراه كافيا لزجره حتى يمسكها بالمعروف، و قد بنوا رأيهم هذا على ما فهموه من قوله تعالى:([61]){وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً}

فالضرر الحاصل  للزوجة يمكن تداركه و إزالته بتعزير الزوج، و عدم إجبارها على طاعته، فلا يعد الطلاق الذي هو أبغض الحلال عند الله طريقا لإزالة الضرر عنها، فلا يُلجأ إليه.

الرأي الثاني :

يرى المالكية أن الزوج إذا تعدى على زوجته بالضرب و نحوه كالإكراه على فعل أمر حرام، أو كان يضارها بالهجر أو الشتم و رفعت أمرها للقاضي و أثبتت تعدِّيه، كان لها أن تطلب منه تأديبه
و زجره للكف عن إيذائها و ذلك بالسبل التي يتخذها الزوج مع زوجته حين تمتنع عن طاعته بأن يعظه إن رأى القاضي ذلك مجديا، فإن لم تجد العظة أمرها بهجره، فإن لم تفد ضربه، هذا إن اختارت البقاء معه([62]
) و إذا ادعت الضرر و تكررت شكواها و عجزت عن إثبات دعواها عين لها القاضي  حَكَما من أهلها، و حَكَما من أهله، يسعيان للإصلاح بينهما، فإن عجزا عن ذلك، فأكثر فقهاء المالكية يجيزون طلاق الزوجة نظير مال تدفعه لزوجها، أما البقية فيجيزون تطليقها دون عوض.

فالضرر عند المالكية هو كل ما لا يجوز شرعا، و يثبت بالبيِّنة التي يكفي فيها مجرد سماع الشاهد من بين النساء و الرجال في أن الزوج يضار زوجته،كما يثبت أيضا بالإقرار، و منهم من يعتمد فقط على قرائن الأحوال.([63])

ثانيا: الموقف التشريعي:

إذا تضررت الزوجة من تصرفات زوجها التي تتنافى مع مقتضى الشرع و أهداف عقد الزواج فلها أن ترفع أمرها إلى القاضي لتطلب التطليق، فقد جاء في نص المادة (53) فقرة سادسة أن للزوجة أن تطلب التطليق للأسباب التالية:كل ضرر معتبر شرعا و لاسيما إذا نجم عن مخالفة الأحكام الواردة في المادتين( 08 و 37).

و بذلك يكون المشرع قد أورد عبارة عامة و شاملة:"كل ضرر معتبر شرعا" ولم يتقيد بضرر معين تاركا للقاضي سلطة تقديرية و موضوعية مطلقة لا يخضع فيها لرقابة المحكمة العليا التي تضطلع برقابة مسائل القانون دون الواقع، و حَسَنا ما فعل لأنه ما يعتبر ضررا بالنسبة لزوجة ما قد لا يكون كذلك في نظر أخرى، كما أن الضرر المعتبر شرعا في زمن ما لدى جماعة ما، قد لا يكون  كذلك في زمن آخر
و بالنسبة لجماعة أخرى، خاصة أن القواعد العامة في الشريعة الإسلامية لم تحدد أنواعا معينة من الضرر،و بذلك أمكن القول أن المشرع اعتمد معيارا شخصيا لتحديد الضرر اللاحق بالزوجة جراء تصرفات زوجها.

و إذا كان المشرع قد فتح المجال واسعا لتفسير معنى الضرر، إلا أنه خص من جهة أخرى المادتين  (08) و (37) من قانون الأسرة، حيث جعل إخفاء  الزوج عن زوجته الأولى زواجه بثانية سببا مبررا لطلب التطليق دون أن يحدد مدة أو أجلا لممارسة هذا الحق، و حبذا لو أن المشرع الجزائري حدد مهلة لتقادم دعوى التطليق في مثل هذه الحالة، حتى لا تتعسف الزوجة في استعماله.

هذا و نصت  المادة (37) من قانون الأسرة المذكورة آنفا على حقين للزوجة هما: النفقة الشرعية و العدل بين الزوجات في حال تعددهن. فهل أراد المشرع بذلك تأكيد الفقرة الأولى من المادة (53) من قانون الأسرة المتعلقة بعدم الإنفاق كسبب لطلب التطليق، أم أنه أراد ربط المادة الثامنة من ذات القانون بما ورد في الفقرة الثانية من المادة (37) أي العدل بين الزوجات في حال تعددهن؟ و نعتقد أنه قصد هذه الأخيرة.

فضلا عن ذلك فإن عبارة "كل ضرر معتبر شرعا" واسعة يمكنها أن تستغرق كل الأسباب التي تضمنتها المادة (53) من قانون الأسرة كما يعتبر نشوز  الزوج المنصوص عليه بالمادة (55)([64]) من قانون الأسرة سببا لطلب الزوجة التطليق، و ذلك ما يدعمه القرار الصادر عن المحكمة العليا-غرفة الأحوال الشخصية- تحت رقم 648 181 بتاريخ 23/12/1997 جاء فيه:  "و من المقرر أيضا أنه يحق للزوجة أن تطلب التطليق لكل ضرر معتبر شرعا، و من المقرر أيضا أنه: في حالة الطلاق يحكم القاضي بالتعويض للطرف المتضرر، و لما كان ثابتا أن الضرر اللاحق بالزوجة كان مبالغا فيه متعسفا من طرف الزوج، فإن تطليق الزوجة وحده لا يكفي لجبر الضرر، و تعويضها مقابل الأضرار اللاحقة بها، فإن القضاة بقضائهم بتعويض الزوجة نتيجة إثبات الضرر من طرف الزوج طبقا لأحكام المادة (55) من قانون الأسرة، قد طبقوا صحيح القانون، و متى كان كذلك استوجب رفض الطعن"([65]).

كيفية إثبات الضرر في دعوى التطليق للضرر:

لقد اعتنق المشرع الجزائري بهذا الشأن المذهب المالكي، و يتجلى ذلك من خلال إتاحته للزوجة إثبات الضرر بكل الوسائل القانونية الممكنة، لاسيما البنية و الإقرار، فإن عجزت عن إثبات ذلك،
و عجز القاضي عن الصلح، عين للزوجين حكمين واحد من أهله و الآخر من أهلها للإصلاح بينهما، و هو ما نصت عليه المادة (56) من قانون الأسرة إذ جاء فيها:"إذا اشتد الخصام بين الزوجين وجب تعيين حكمين للتوفيق بينهما.

يعين القاضي الحكمين، حكما من أهل الزوج، و حكما من أهل االزوجة، و على هذين الحكمين أن يقدما تقريرا عن مهمتها في أجل شهرين".

و في ذلك صدر قرار عن المحكمة العليا تاريخ 02/01/1989 تحت رقم 51906 –غرفة الأحوال الشخصية- جاء فيه:"من المستقر عليه قضاء أن الشخص لا يقوم بإجراء لينتفع به غيره، و أن القاضي ملزم بالإعتماد في حكمه على  الأدلة الواضحة الثابتة التي تقدم إليه، و يمنع عليه معاملة الخصم بما قد يكون في نيته، و إلا كان حكمه قد بناه على أمر غيبي و غير شرعي، و من ثمة فإن القضاء بخلاف هذا المبدأ يعد انتهاكا صريحا للقانون.

و لما كان من الثابت في -قضية الحال- أن الطاعن أقام دعواه طالبا فيها الحكم على زوجته الرجوع إلى بيت الزوجية فإن قضاة الإستئناف الذين قضوا بتأييد الحكم المستأنف لديهم و القاضي برفض دعوى الطاعن، و قبول طلب الزوجة المتعلق بالتطليق، و الحكم بتطليقها فإنهم بقضائهم كما فعلوا انتهكوا القانون و تجاوزوا سلطتهم، فدعوى الرجوع إذا لم ينتفع بها صاحبها لا تنقلب ضده، إلا في مسألة التعويض إذا كانت ظالمة، منتهكا بذلك قواعد التقاضي و خرج من العلم بالظاهر و دخل إلى العلم بالغيب، و متى كان كذلك استوجب نقض القرار المطعون فيه"([66]).

و قد صدرت عن المحكمة العليا أيضا عدة قرارات في شأن التطليق للضرر نذكر منها:

- القرار الصادر بتاريخ 20/02/1991 تحت رقم 75588، جاء فيه "من المقرر قانونا أنه يجوز طلب التطليق لكل ضرر معتبر شرعا و لاسيما عند مخالفة شروط تعدد الزوجات أو التوقف عن النفقة أو أي ضرر آخر ينتج  عن بقاء العصمة الزوجية.

و لما كان من الثابت في قضية الحال أن المجلس القضائي عندما قضى بتطليق الزوجة بسبب بقائها مدة تقارب الخمس سنوات لا هي متزوجة و لا هي مطلقة باعتبارها خرجت من بيت الزوجية         و أخذت كل أثاثها منه و استحالت الحياة الزوجية، فإن القضاة لما حكموا طبقوا صحيح القانون.
و متى كان ذلك استوجب رفض الطعن"([67]
)

- القرار الصادر بتاريخ 24/09/1996 تحت رقم 139353و الذي جاء فيه:

"من المستقر عليه أن استفحال الشقاق بين الزوجين يقضي بالتفريق القضائي شرعا.

و لما كان في قضية الحال أن المطعون ضدها تضررت من جراء استفحال الخصام مع زوجها لمدة طويلة مما نتج عنه إصابتها بمرض الأعصاب و أصبحت الحياة مستحيلة بينهما. فإن القضاة بقضائهم بتطليق الزوجة لهذا السبب كافي للتفريق القضائي طبقوا صحيح القانون.و متى كان كذلك استوجب رفض الطعن"([68])

وفي هذا الصدد صدر حكم عن محكمة سيدي بلعباس بتاريخ 10/08/2004 قضى بتطليق المدعية من المدعى عليه بسبب الضرر اللاحق بها وفقا للفقرة السادسة من المادة (53) من قانون الأسرة،  ألزم المدعي عليه بأدائه لها نفقة عدة قدرها عشرة آلاف دينار جزائري (000 10دج)، نفقة متعة قدرها ثلاثون  ألف (000 30) دينار جزائري، و نفقة إهمال شهرية قدرها ثلاثة آلاف (3000) دينار جزائري يبدأ حسابها من تاريخ 12/04/2004 و لغاية تاريخ النطق بالحكم، كما قُضي بإسناد حضانة الولد "عز الدين" لأمه، جاء في حيثياته ما يلي:

حيث  أنه بتاريخ 27/04/2004 سعت المحكمة لإصلاح ذات البين غير أن الزوجة أصرت على طلب التطليق.

و حيث ثبت للمحكمة أن المدعي أُحيل على محكمة الجنايات بتهمة محاولة القتل العمدي على المدعى عليها و أن القضية هي أمام غرفة الإتهام حاليا و كان المدعى عليه قد أقر بجلسة الصلح باعتدائه على المدعى عليه بالخنجر بسبب رفضها الرجوع إلى البيت.

و حيث ثبت للمحكمة إستحالة مواصلة العشرة الزوجية في هذه  الظروف و قد ثبت اعتداء المدعي على المدعى عليها و هو ما يُعد ضررا معتبرا شرعا يُخول الحق في طلب التطليق.

المبحث الثالث الآثار المنجرة عن التطليق

بعد دراسة القاضي لدعوى التطليق المرفوعة من قبل الزوجة استنادا إلى أحد الأسباب المذكورة في المادة (53) من قانون الأسرة و بقبول طلبها يصدر حكمه بالتطليق.

لكن ماهي آثار هذا الحكم من الناحيتين الإجرائية و الموضوعية؟

هذا ما سنراه فيما يأتي، متناولين من الناحية الإجرائية طبيعة الأحكام القضائية الصادرة في شأن التطليق، كما سنتناول بالدراسة و التمحيص توابع التطليق باعتبارها آثارا له من الجانب الموضوعي.

المطلب الأول: طبيعة الأحكام القضائية الصادرة في شأن التطليق

الأصل أن جميع الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم بصفة ابتدائية، قابلة للإستئناف طبقا لنص المادة الثالثة من قانون الإجراءات المدنية إلا ما استثني بنص خاص.

و جاء في المادة (57) من قانون الأسرة أن الأحكام بالطلاق لا تقبل الطعن  فيها بالإستئناف أمام المجالس القضائية إلا في جوانبها المادية لكنها لم تنص على أنها تصدر نهائية.

فماذا يُقصد بأحكام الطلاق، و هل تندرج أحكام التطليق ضمنها ؟

لقد اختلفت آراء و وجهات نظر رجال القانون في مدى قابلية أحكام التطليق للطعن فيها بالإسئناف، و انقسموا في ذلك إلى فريقين، ينادي الأول بعدم جواز  الطعن بالإستئناف في هذا النوع من الأحكام، بينما ينادي الثاني بقابليتها له، و لكل فريق منهما حججه و أسانيده و ذلك ما سنستعرضه تباعا فيما يلي:

الإتجاه الأول: عدم جواز الطعن بالاستئناف

أخذ أصحاب هذا الإتجاه بحرفية نص المادة (57) من قانون الأسرة، و بذلك فهم لا يجيزون استئناف الأحكام القضائية الصادرة بالتطليق، و لا يفرقون  بين الأحكام الصادرة بالطلاق بناءا على الإرادة المنفردة للزوج و لا بالطلاق بالتراضي بين الزوجين و لا بالتطليق بطلب من الزوجة، و جعلوها كلها غير قابلة للإستئناف، مستندين في ذلك على المادة (48) من قانون الأسرة. التي نصت على أن الطلاق حل عقد الزواج و يتم بإرادة الزوج أو بتراضي الزوجين أو بطلب الزوجة في حدود ما ورد في المادتين( 53 و 54 ) من نفس القانون.

و لهذا الرأي ما يدعمه  في اجتهاد المحكمة العليا، إذ صدر عنها عدة قرارات في هذا المضمار اعتبرت فيها الأحكام بالتطليق غير قابلة للإستئناف و ذلك عندما قبلت الطعن فيها النقض مباشرة علما أن الطعن بالنقض لا يجوز إلا في الأحكام الصادرة عن المحاكم ابتدائيا و نهائيا تبعا لما تقضي  به المادة
 (231 ) من قانون الإجراءات المدنية و ما قبول المحكمة العليا للطعن بالنقض مباشرة في أحكام التطليق سوى دليل يؤكد على أنها تعتبرها أحكاما نهائية.

و من قرارات المحكمة العليا بهذا الصدد نذكر القرار الصادر بتاريخ21/07/1998 تحت رقم
( 98/2001) و الذي جاء فيه "عن محاولة الصلح بين الطرفين في دعاوى الطلاق ليست الإجراءات الجوهرية و أن لفظ الطلاق أو التطليق يصدر دائما نهائيا" وهو الاتجاه الذي تبناه قضاة محكمة مقر المجلس بسيدي بلعباس ويتبين ذلك من خلال الفصل في قضايا التطليق، من بينها :

الحكم الصادر بتاريخ 29/09/2004 والذي قضى نهائيا بتطليق المدعية من المدعى عليه، جاء فيه:

"حيث ثبت للمحكمة من خلال موضوع المطالبة القضائية التي عجز فيها المدعى عليه عن إثبات قيامه بواجباته الزوجية المتمثلة في الإنفاق على زوجته و رعايتها خلال فترة فراره من الإلتزام العسكري، فإنه و أمام غيابه عن جلسة الصلح التي من خلالها أعلنت المدعية عن رغبتها في التطليق بسبب غياب الزوج عنها مدة ثلاث سنوات و ثمانية أشهر و ذلك منذ فراره من الجيش الوطني الشعبي الوطني الذي كان عضوا فيه كطيار و أنه تم القبض عليه في الفترة الأخيرة، فإنه و بتفحص أوراق الملف لاسيما طلب الشطب من السجلات و التي ثبت من خلالها الإجراء التأديبي الذي تعرض إليه المدعى عليه بسبب فراغه لمدة طويلة منذ 30/05/2000 و أن المدعية قدمت الدليل القاطع على ثبوت غياب الزوج عنها لمدة طويلة تجاوزت الثلاث سنوات فإنه يتعين الإستجابة لطلبها الرامي إلى التطليق لتأسيسه قانونا"

الإتجاه الثاني : جواز الطعن بالاستئناف

يرى أنصار هذا الإتجاه أن أحكام التطليق  قابلة للطعن فيها بالإستئناف باعتبار هذا الأخير، أحد طرق الطعن العادية في الأحكام القضائية و الذي يطرح في حد ذاته مبدأ أساسيا من المبادئ التي يقوم عليها النظام القضائي الجزائري ألا و هو مبدأ التقاضي على درجتين.

فالقاعدة العامة أن جميع الدعاوى ترفع أمام محكمة الدرجة الأولى و جميع أحكامها تكون ابتدائية و من ثمة قابليتها للإستئناف أمام المجالس القضائية إلا ما استثني بنص خاص و تلك هي القاعدة المكرسة بمقتضى المادة الثالثة من قانون الإجراءات المدنية.

و برروا ذلك بأن إنهاء الرابطة الزوجية بطلب من الزوج يُعد طلاقا، و ما عدا ذلك فهو فسخ
و يترتب عن هذا التمييز أن الطلاق هو عمل ولائي و ليس للقاضي فيه إلا دور الموثق بحيث يكشف عن إرادة الزوج و يكرسها لا غير باعتبار أن المادة (49) من قانون الأسرة أكدت أن الطلاق لا يثبت إلا بحكم قضائي.

أما التطليق فيعد من صلب عمل القاضي، و بذلك فهو عمل قضائي بحت يختلف في التقدير من قاضي إلى آخر، لذلك وجبت رقابته من طرف قضاة الإستئناف و على هذا الأساس اعتبروا أحكام التطليق قابلة للإستئناف.

و بحسب رأي الأستاذ "زودة عمر" فإنه إذا رجعنا إلى أحكام الشريعة الإسلامية فإنه يقصد بمصطلح الطلاق ذلك الأثر الذي يترتب على استعمال الزوج لحقه الإرادي، و ينجر عنه حل الرابطة الزوجية في الحال ما لم يكن مكملا للثلاث.

أما الفرقة التي لا تكون نتيجة استعمال الحق الإرادي للزوج فهي غير مشمولة بمصطلح الطلاق بل يطلق عليها مصطلح الفسخ فعندما يمارس الزوج حقه الإرادي يترتب عليه حل الرابطة بإرادته.

و يفهم من سياق نص المادة (48 ) من قانون الأسرة أن عبارة "و يتم بإرادة الزوج" تعود على الِحل و ليس على الطلاق الذي يقع بناءا على إرادة الزوج في حين أن التطليق و الخلع يعدان أيضا طريقان من طرق حل الرابطة الزوجية و يقعان بطلب من الزوجة.

و بذلك فالأحكام القاضية بحل الرابطة الزوجية بناءا على طلب الزوجة و بناءا على معيار التمييز بين الطلاق و الفسخ هي أحكام بالفسخ و بالتالي لا يمكن أن تدخل تحت نص خاص.

و من ثمة تسترجع القاعدة العامة سلطانها و تصبح الأحكام الفاصلة في مسألة التطليق قابلة للإستئناف.

و قد صدر في هذا الإطار قرار عن المحكمة العليا بتاريخ 27/04/1993 تحت رقم 89635 قضى برفض  الطعن بالنقض في القرار الصادر عن مجلس قضاء بسكرة في 16/06/1990 و الذي صرح بإلغاء الحكم المستأنف فيه و القضاء من جديد بالتطليق و قد جاء في قرار المحكمة العليا ما يلي:

"فالقضاء بالتطليق عن طريق المجلس مندرج في اختصاصه ذلك أن المادة(57)  من قانون الأسرة لا تجيز الإستئناف في الأحكام بالطلاق، و الحكم  المستأنف لم يقض بالطلاق  و إنما بالتطليق"([69])

        كما صدر في هذا الصدد عدة قرارات عن مجلس قضاء سيدي بلعباس –غرفة الأحوال الشخصية-  منها:

        - القرار الصادر بتاريخ 13 أكتوبر 2001 والذي قضى بإلغاء الحكم المستأنف فيه و التصدي من جديد للحكم بتطليق المستأنفة من المستأنف عليه و بإلزام  هذا الأخير بأدائه لها مبلغ ثلاثة آلاف دينار جزائري  (3000 دج) شهريا كنفقة إهمال  تسري سنة قبل دفع الدعوى، و تستمر إلى غاية النطق بالتطليق و مبلغ عشرة آلاف دينار جزائري (000 10دج) نفقة عدة و أسند حضانة البنت لأمها،  جاء في أسبابه:

"عن طلب المستأنفة بإلغاء الحكم المستأنف فيه و القضاء بالتطليق لعدم الإنفاق، حيث أن هذا الطلب جاء مؤسسا كون أن المستأنف عليه أهمل زوجته منذ سنة  1990و تركها بدون نفقة و غادر الجزائر متوجها لفرنسا و لم يقم بواجباته نحو زوجته و أنه طبقا للمادة (37) من قانون الأسرة فإن النفقة واجبة شرعا على الزوج اتجاه زوجته مما يجعل من طلب التطليق طلبا مؤسسا و يتعين معه إلغاء الحكم المستأنف فيه و تصديا الحكم بتطليق المستأنفة من المستأنف عليه"

- القرار الصادر بتاريخ 26/12/2004 قضى بتطليق المدعية من المدعى عليه جاء في عرض أسباب  مايلي:

"حيث أن المدعية تلتمس المصادقة على محضر أداء اليمين و إلغاء الحكم المستأنف و من جديد الحكم بتطليقها من المدعى عليه طبقا للمادة (53) من فقرة 3  من قانون الأسرة و إلزامه بأدائه لها مبلغ ثلاثين ألف دينار جزائري (000 30دج) نفقة عدة و مبلغ ألفين دينار جزائري (000 2دج) شهريا نفقة إهمال من يوم رفع الدعوى الأولى.

حيث أن المدعى عليه يلتمس مواصلة الحياة  الزوجية و احتياطيا الطلاق بظلم منها و حرمانها من توابع العصمة ماعدا العدة.

حيث أنه بعد الإطلاع على أوراق الملف يتبين بأنه صدر حكم بتاريخ 23/04/2000 أمر المدعية بالرجوع إلى البيت الأصلي و أنه بعد الإستئناف أصدر المجلس قرارا بتاريخ 31/01/2001 وجه اليمين إلى الزوجة على أن المدعى عليه هجرها في المضجع أكثر من أربعة أشهر.

حيث أن المدعية كانت بتنفيذ هذا القرار و أدت اليمين حسب المحضر المؤرخ في
08/06/2001 و بالتالي فإن دفوع المدعى عليه غير مؤسسة، و يتعين الإشهاد للمدعية عن أدائها اليمين الموجه لها بقرار 31/01/2001 .

و في رأينا لا يمكن التسليم بأن الحكم بالتطليق تطبيقا لنص المادة (53) من قانون الأسرة غير قابل للإستئناف، فإذا كان دور القاضي  في حالة الطلاق مقصورا على الحكم بما طلبه الزوج دون أن يكون من حقه طلب توضيح الأسباب و لا يسبب حكمه إلا بسبب واحد و هو طلب الزوج
و إصراره على الطلاق، أما في التطليق فإن دوره يتطلب تحقيقا جديا و مطابقة الوقائع على النص، بالإضافة إلى موازنته  بين طلبات الزوجة و دفوع الزوج، و أن يسبب حكمه تسبيبا كافيا ليس فقط استنادا إلى طلبات الزوجة و إنما اعتمادا على ماله من سلطة تقديرية تحتمل الصواب أو الخطأ،  لذلك ينبغي  أن تكون هذه السلطة قابلة للرقابة بالطعن فيها بالإستئناف.

و يثور الإشكال بالنسبة للإتجاه الأول الذي يرى أن احكام التطليق تصدر بصورة نهائية، فيما يخص أحكام التطليق الغيابية، فهل تصدر بصورة ابتدائية أم أنها تصدر بصورة ابتدائية نهائية؟

فإذا قلنا أنها تصدر بصورة إبتدائية نهائية فإننا نقع في تناقض مع أحكام المادة (98) من قانون الإجراءات المدنية التي تنص على أن الأحكام الغيابية تصدر بصفة إبتدائية. و لهذا فأحكام التطليق الغيابية  يجب أن تكون قابلة للإستئناف حتى تتماشى مع أحكام المادة (98) من قانون الإجراءات المدنية السالفة الذكر.

المطلب الثاني:توابع التطليق

إن الآثار القانونية لكل من الطلاق و التطليق واحدة و قد أوردها قانون الأسرة في مواد متفرقة تنحصر بين المادتين( 58 و 76) منه، منها ما يثبت للزوجة، و يتمثل في العدة، النفقة، السكن
و التعويض، و منها ما يثبت للأولاد، و يتمثل في:الحضانة و النسب و النفقة  و تفصيلا لهذه الآثار نتناولها ضمن فرعين كما يلي:

الفرع الأول:  ما يثبت للزوجة

أولا : العدة

العدة في اللغة هي مصدر للفعل "عدّ "يعد" بمعنى "أحصى" "يحصي" وردت بهذا المعنى في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }([70])و قد تفيد مجمل عدد الشيء في قوله تعالى: { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ{36}([71])

أما اصطلاحا فهي "مدة تتربصها المرأة عقب وقوع سبب الفرقة فتمتنع عن الزواج فيها،
و بانقضائها يزول ما بقي من آثار التحريم"[72]

و أجمع العلماء على وجوبها لقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ{228}([73])

و قوله -صلى الله عليه و سلم- لفاطمة بنت قيس:"اعتدي في بيت أم مكتوم" و الحكمة من وجوب العدة هي التأكد من براءة الرحم لتفادي اختلاط الأنساب من جهة و إعطاء الزوج متسع من الوقت ليتمكن خلاله من التفكير في مراجعة معتدته من جهة أخرى، كما أشار الله سبحانه تعالى لذلك بقوله:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً{1}([74])

و قوله عز و جل:{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ{228}([75])

و بالرجوع إلى قانون الأسرة نجد المادة (58)  نصت على أن تعتد المطلقة المدخول بها غير الحامل بثلاثة قروء، و اليائسة من المحيض بثلاثة أشهر من تاريخ التصريح  بالطلاق، أما المطلقة الغير المدخول بها فلا توجب عليها العدة و هذا ما جاء في القرار رقم 137571 المؤرخ في18 جوان 1996 : "من المقرر شرعا أنه تستوجب العدة للمرأة المطلقة و المتوفى عنها زوجها و لا تُستوجب للمرأة المطلقة غير المدخول بها، ولما كان ثابتا في قضية الحال أن المطعون ضدها طُلقت من زوجها الأول قبل الدخول، 
و أعادت الزواج ثانية في الأسبوع الأول من طلاقها فإن القضاة برفضهم لطلب الطاعن بفسخ الزواج لعدم إتمام العدة من الزواج الأول و الحكم بصحة الزواج و رجوع الزوجة إلى بيت الزوج طبقوا صحيح القانون و متى كان كذلك استوجب رفض الطعن"([76]
)

و أضافت المادة (60) من قانون الأسرة على أن "عدة الحامل هو وضع حملها و أقصر مدة الحمل 10 أشهر من تاريخ الطلاق"

و يبدأ حساب مدة العدة من تاريخ التلفظ بالطلاق في الشريعة الإسلامية، و جاء نص المادة       )58(المذكورة أعلاه  مخالفا لهذه الأخيرة بحيث أنها قضت بأن العدة يبدأ احتسابها من تاريخ التصريح بالطلاق و الذي لا يثبت إلا بحكم  قضائي وفقا للمادة (49) من قانون الأسرة.

و إذا صدر الحكم بالطلاق تدخل المطلقة في عدتها ابتداء من تلك اللحظة و تقع عليها الالتزامات الآتية:

  • ملازمة بيت الزوجية حيث تبقى في بيت زوجها مدة عدتها مصداقا لقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً{1}([77])و هو ما جاءت به المادة (61) قانون الأسرة.
  • لكن ما يجري به العمل بين الناس خلاف ذلك إذ أن المطلقة تأخذ أغراضها و تلتحق بأهلها لتقضي عدتها هناك.

- امتناع الزوجة عن الزواج في فترة العدة برجل أجنبي.

ثانيا: النفقة :

تجب النفقة للمرأة بعد الحكم لها بالتطليق و تشمل نفقة العدة و نفقة الإهمال.

1.نفقة العدة:

تستحق المعتدة نفقة عدتها من مال زوجها طيلة هذه المدة  و تحددها المحكمة إجماليا أو شهريا و هذا ما نصت عليه المادة (61) من قانون الأسرة([78])، و يسقط هذا الحق شرعا إذا تركت المطلقة مقر الزوجية و لم تقض العدة فيه دون مبرر شرعي باعتبارها ناشز.

و في هذا الإطار صدر عن المحكمة العليا عدة قرارات منها :

  • القرار الصادر بتاريخ 22/10/1984 تحت رقم 34327 و الذي قضى بأنه:"متى كان من المقرر شرعا أن نفقة العدة تظل  واجبة للزوجة على زوجها سواء كانت ظالمة أو مظلومة فإن القضاء بما يخالف أحكام هذا المبدأ يعد خرقا لأحكام الشريعة الإسلامية.
  • إذا كان من الثابت أن قضاة الإستئناف أيدوا الحكم  المستأنف فيه قضى به و من ذلك تقرير عدة الزوجة فإن وجه الطعن المؤسس على خرق قواعد الشريعة الإسلامية باعتبارأن الزوجة اعترفت بارتكاب فاحشة الزنا، و أنه من المقرر شرعا إسقاط جميع حقوق الزانية يكون غير مقبول فيما ذهب إليه حول حرمان المطلقة من تقرير نفقة العدة و متى كان ذلك استوجب رفض الطعن"

     القرار الصادر بتاريخ 25/12/1989 تحت رقم 57752 الذي جاء فيه:"حيث أن كل مطلقة بعد البناء عليها أن تعتد و هي أثناء هذه المدة محبوسة من أجل الزوج و على كل مطلق أن ينفق على مطلقته.

فالنفقة حق ثابت شرعا من حقوق الزوجية يتعين على القاضي الحكم بها سواء طلبتها الزوجة أم لم تطلبها، و لا تسقط إلا إذا أسقطها الشارع في بعض الأحوال المحددة شرعا أو سمحت فيها الزوجة صراحة بخلع، و المجلس له الحق في الحكم بها إذا أغفلها القاضي الأول فالوجه سديد و يتعين رفضه"([79])

2.نفقة الإهمال:

لقد أقرت المادة (74) من قانون الأسرة أن نفقة الزوجة واجبة على زوجها بالدخول بها، فإذا لم يقم بالإنفاق عليها يحق لها طلب نفقة إهمال تحسب من تاريخ خروجها من مسكن الزوجية  إلى غاية صدور حكم التطليق و للقاضي سلطة تقدير مبلغ هذه النفقة شهريا مراعيا في ذلك حال الزوجين.

  ثالثا:حق السكن أو دفع أجرته

لقد ورد النص  على إسكان الزوجة المطلقة و على شروطه في المادة (52) الفقرة 2 من قانون الأسرة ([80]) و  من تحليلها يتضح لنا أنه حتى يمكن للمطلقة الحكم يإسكانها  او إبقائها في مسكن الزوجية توافر ثلاثة شروط:

  • أن تكون المطلقة محكوم لها بالحضانة قل عدد المحضونين أو أكثر.
  • ألاَّ يكون لها ولي يستقبلها و يؤمن لها المسكن.
  • أن يكون في استطاعة الزوج توفير السكن.

و قد صدر في هذا المنوال القرار رقم223834 بتاريخ 15/06/1999 جاء فيه "للحاضنة الحق في البقاء في مسكن الزوجية متى ثبت أن للزوج مسكن آخر و هذا نظرا لمصلحة المحضونين و لما كان ثابتا في قضية الحال أن المطعون  ضدها تمارس حضانة الأولاد في المسكن المتنازع عليه منذ إحدى عشر سنة، أي من تاريخ صدور الحكم بالطلاق، و أن محضر إثبات حالة يثبت أن الطاعن يملك سكن آخر، و عليه فإن القضاة بقضائهم برفض دعوى الطاعن لعدم التأسيس في حق الزوجة في البقاء في مسكن الزوجية نظرا لمصلحة الأولاد المحضونين الأربعة، فإنهم بقضائهم كما فعلوا طبقوا صحيح القانون"

كما صدر أيضا القرار رقم 105366 بتاريخ 27/04/1993 جاء فيه:"من المقرر قانونا أنه إذا كانت الأم حاضنة، و لم يكن لها ولي يقبل إيواءها فعلى الزوج حسب وسعه أن يضمن حقها في المسكن مع محضونيها، و أن نفقة المحضون  و سكناه من مال إذا كان له مال و إلا فعلى والده أن يهيء له مسكنا و إن تعذر فعليه أجرته، و لما ثبت في قضية الحال، أن للزوج مسكن آخر بنفس البلدية  حسب اعترافه فإن قضاة المجلس قد أخطؤوا بقضائهم من جديد برفض طلب الطاعنة بتخصيص مسكن يضمن حق المحضون بالإيواء فيه لا سيما و أن احتمال عدم وجود ولي يقبل إيواءها مع محضونيها قائما و متى كان كذلك استوجب نقض قرارهم جزئيا"([81])

و نصت المادة (467) من القانون المدني على أنه "ينعقد الإيجار بمقتضى عقد بين المؤجر
و المستأجر و في حالة الطلاق، يجوز للقاضي أن يعين من الزوجين من يمكنه أن ينتفع بحق الإيجار باعتبار تكاليف هذا الزواج من أجل حضانة الأولاد خاصة"

و يتضح من هذه المادة أنها أعطت الحق للقاضي أن يعين من يستفيد من مسكن الزوجية في حالة الطلاق.

رابعا: التعويض :

لقد منح المشرع الجزائري للزوجة حق طلب التطليق للأسباب التي أوردتها المادة (53) من قانون الأسرة و إستنادا لأحدها يحكم لها القاضي بالتطليق.

فهل يُعد هذا الحكم في حد ذاته جبرا للضرر الذي أصابها، أم أنها تستحق تعويضا إلى جانب ذلك؟

في غياب النص القانوني حول هذه المسألة، و بالرجوع إلى الواقع العملي نجد تطبيقات مختلفة فهناك من يعتبر أن الحكم بالتطليق في حد ذاته جبرا للضرر الذي أصاب الزوجة، فلا يمكن الحكم لها بالتعويض إلى جانب ذلك، و منهم من يعتبر انها تستحق النعويض بعد الحكم لها بالتطليق ، و تدعيما لمن يحكم بالتعويض إلى جانب الحكم بالتطليق صدر عن المحكمة العلياعدة قرارات من أهمها:

- القرار الصادر بتاريخ 23/04/1996 تحت رقم 135435 و الذي جاء فيه "من المقرر قانونا أنه يجوز للزوجة طلب التطليق مع التعويض إستنادا على وجود ضرر معتبر شرعا، و لما ثبت في قضية الحال أن القضية تتعلق بزواج كامل الأركان إلا أن الزوج تأخر عن الدخول بزوجته لمدة خمس    (05) سنوات، فإنه بذلك يعتبر تعسفا في حقها و يبرر التعويض الممنوح لها ، مما يتعين رفض الطعن"([82])

- القرار رقم 181648 الصادر بتاريخ 23/12/1997 و الذي جاء فيه "من المقرر قانونا أنه يحق للزوجة أن تطلب التطليق لكل ضرر معتبر شرعا و من المقرر أيضا أنه في حالة الطلاق يحكم القاضي بالتعويض للطرف المتضرر، و لما كان ثابتا أن الضرر اللاحق بالزوجة مبالغ فيه و متعسفا من طرف الزوج فإن تطليق الزوجة وحده لا يكفي لحبر الضرر و تعويضها مقابل الأضرار اللاحقة بها، فإن القضاة بقضائهم بتعويض الزوجة نتيجة إثبات الضرر من طرف الزوج طبقا لأحكام المادة (55) قانون الأسرة، قد طبقوا القانون و متى كان كذلك استوجب رفض الطعن"([83])

و تجدر الإشارة أنه يدق التشابه بين مصطلحي التعويض، و المتعة، هذه الأخيرة هي ما يعطيه الزوج لزوجته جبرا لخاطرها و تعويضا لها عما لحقها من ضرر و هي واجبة لها كلما تحقق هذا السبب "الضرر" و ذلك عملا بقوله تعالى :{وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ{241}([84])و قوله أيضا: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{226}([85])و قوله أيضا: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً{49}([86])

باستقرائنا لهذه الآيات يتبين لنا أن الشريعة الإسلامية اوجبت على الرجل تمتيع مطلقته،  و ذلك بتعويضها جراء ما أصابها بسبب فك الرابطة الزوجية مستعملة مصطلح "المتعة" في حين أن القوانين الوضعية أوجبت على القاضي إلزام الزوج بدفع مبلغ من المال نقدا أو عينا يخضع لسلطته التقديرية تحت تسمية "التعويض".

و قد ورد في كتاب الموطأ للإمام مالك في رواية "أبو يحي الليثي" له قال :بلغني عن "مالك" عن "أبي شهاب" أنه قال:لكل مطلقة متعة و قد بلغني عن ابن القاسم ليس للمتعة عندنا حد معروف في قليلها أو كثيرها".

و في الحقيقة أن المصدر الشرعي لمصطلح  التعويض هو كلمة متعة حيث طغى استعمال المصطلح الأول على الثاني في القوانين الوضعية([87]) و بالتالي يمكن القول أن التعويض و المتعة وجهان لعملة واحدة و عليه لا يمكن للقاضي الحكم بهما تطبيقا لمبدأ  عدم جواز الجمع بين تعويضين عن ضرر واحد.

خامسا:النزاع حول متاع البيت

قد يتنازع الزوجان في بعض متاع([88]) البيت أو كله، بأن يزعم أحدهما أن المتاع ملكا له، بينما ينكر الطرف الثاني هذه الملكية.

و قد نصت المادة (73 )من قانون الأسرة على أنه "إذا وقع نزاع بين الزوجين أو ورثتهما في متاع البيت و  ليس لأحدهما بينة، فالقول للزوجة أو ورثتها مع اليمين في المعتاد  للنساء، و القول للزوج أو ورثته مع اليمين في المعتاد للرجال و المشتركات بينهما يقتسمانها مع اليمين".

يتضح من خلال هذه المادة أن النزاع حول متاع البيت و أثاثه ينتهي لصالح من له بينة، و هذا على أساس طبيعة الشيء محل النزاع، فإذا وقع النزاع بين الزوجين أو ورثتهما في متاع البيت، و ليس لأحدها بينة فالقول للزوجة أو ورثتها مع اليمين في الأشياء المعتادة للنساء، أما إذا كانت طبيعة الشيء محل النزاع من المعتاد للرجال، فإن الزوج يُكلف بأداء اليمين كذلك، و له أن يأخذه طالما أن الزوجة لا تملك البينة الكافية.

و في هذا الإطار صدر عن المحكمة العليا عدة قرارات نذكر منها:

  • القرار الصادر بتاريخ 14/01/1983 جاء فيه :

"إذا اختلف الزوجان على متاع البيت، و كان مما يصلح عادة للنساء يُقضى بما تطلبه الزوجة بعد تحليفها اليمين، و عليه يستوجب نقض القرار الذي فصل في نزاع متعلق بالبيت خاص بالنزاع و حكم على الزوج بتأدية اليمين"([89])

  • القرار الصادر بتاريخ 16/01/1989 تحت رقم 52212 و الذي جاء فيه:

"من المستقر عليه قضاءا و شرعا أن أثاث البيت المخصص للإستعمال الثنائي بين الزوجين يعتبر ملكا للزوج ما لم تثبت الزوجة بالبينة أن ذلك ملك لها اشترته أو هو من جملة صداقها، فإن لم يكن هذا، فالزوج أحق به مع يمينه، و من ثمة فإن القضاء بما يخالف هذا المبدأ يُعد مخالفا للقواعد الشرعية.

و لما كان من الثابت -في قضية الحال- أن الزوج اعترف ببقاء أمتعة زوجته عنده فإنه استثنى منها أشياءا ادعاها لنفسه، فإن المجلس القضائي الذي اعتبرها استثناء الزوج داخلا في أمتعة زوجته وحكم لها به دون أن يطالبها بإقامة البينة على أشياء هي للرجل يأخذها بعد حلفه، يكون بقضائه كما فعل خالف القواعد الشرعية، و متى كان كذلك استوجب نقض القرار المطعون فيه".([90])

أما عند إشتراك الشيء بين الزوجين، تقضي المحكمة بقسمته بينهما مع تحليفهما اليمين.

غير أنه في حالة عدم وجود المتاع فنميز بين حالتين:

الأولى: إذا كان المتاع غير موجود أصلا

الثانية:إذا كان المتاع غير موجود لأن الزوجة أخذته كاملا.

ففي الأولى تطالب الزوجة بما لها من متاع الزوجية إلا أن الزوج يُنكر وجوده، فعندئذ تلجأ إلى القواعد العامة للإثبات، و ذلك بتطبيق المادة (323) من القانون المدني و تطبيقا لقاعدة: "البينة على من ادعى، و اليمين على من أنكر."

أما الحالة الثانية فيدعي الزوج أن زوجته أخذت المتاع إلى بيت أهلها عند مغادرتها بيت الزوجية، سواء برفعه دعوى يطلب فيها استرداد ما يراه من الأثاث، أو يكون بمثابة دفع يقابل به طلب الزوجة،
و عليه يقع عبء إثبات ما يتذرع به، فإذا عجز عن تقديم دليل على ذلك خسر دعواه.

و هذا ما ذهبت إليه المحكمة العليا في قرارها الصادر بتاريخ 18/07/1988 تحت رقم 50075
و الذي جاء فيه:

"متى كان مقررا شرعا أن البينة على من ادعى، و اليمين على من أنكر، و من ثمة فإن ادعاء الزوج أن زوجته أخذت مصوغها و أثاثها و ملابسها، يصير مكلفا بإثبات دعواه، فإن عجز فالقول للزوجة مع يمينها، و من ثمة فإن القضاء بما يخالف هذا المبدأ يُعد مخالفا للقواعد الشرعية.

و لما كان من الثابت في قضية الحال أن الخلاف حول متاع البيت لم يكن حول وجوده لمنزل الزوجية، بل كان حول ادعاء الزوج أن زوجته أخذته معها، فإن قضاة الموضوع حينما عكسوا الأمر
و وجهوا اليمين للزوج و هو مدع، و تلقوها منه مباشرة، يكونوا بقضائهم كما فعلوا خالفوا القواعد الشرعية، و متى كان كذلك استوجب نقض القرار المطعون فيه"([91]
)

فحسب قرار المحكمة العليا كان على الزوج الذي ادعى أن زوجته أخذت المتاع إلى بيت أهلها إثبات إدعائه، و إلا خسر دعواه، و عليه يبقى الوضع الظاهر قائما و هو وجود المتاع ببيت الزوجية، إذ كان على القضاة أن يوجهوا للزوجة اليمين القانونية الواردة بالمادة (73) من قانون الأسرة، لكي تستحق الأثاث الذي يشهد لها الظاهر و العرف بملكيته، و ليس توجيهها للزوج كما فعلوا.

الفرع الثاني : ما يثبت للأولاد

أولا: النسب :

حرص الإسلام على أن ينسب الولد لأبيه و عد ذلك من نعم الوجود لقوله تعالى :{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً{54}([92]) كما حرم على الآباء أن ينكروا نسب أولادهم، فقد رُوي عن الرسول -صلى الله عليه و سلم- أنه قال:"أيما رجل جحد ولده و هو ينظر إليه احتجب الله منه يوم القيامة و فضحه على رؤوس الخلائق"

 فالنسب هو إلحاق الولد بأبيه دينا و قانونا و اعتباره الأصل الذي تفرع عنه ذلك الولد.

و نظمه المشرع الجزائري في المواد من (40) إلى (45) من قانون الأسرة و تبعه بمادة خصصها لمعالجة ظاهرة التبني التي حرَّمها الإسلام، فأكد القانون ذلك في المادة (46) منه.

و يثبت نسب الولد لأمه بمجرد ولادته سواءا كانت الولادة من زواج صحيح أو غير ذلك. في حين  يثبت نسب الولد لأبيه في الحالات التالية: الفراش، مصداقا لقوله -صلى الله عليه و سلم- "الولد للفراش و للعاهر الحجر" إضافة إلى الإقرار و البينة و نكاح الشبهة و بكل نكاح تم فسخه  بعد الدخول طبقا للمواد (32)-(33)-(34) من قانون الأسرة و هو ما تضمنته فحوى المادة (40) من ذات القانون.

لكن إذا ادعت الزوجة بأنها حامل بعد تطليقها، فهل ينسب هذا الولد مباشرة إلى الزوج دون قيد أو شرط أم أنه هناك شروط يجب توافرها لذلك؟

لقد نصت المادة (43) من قانون الأسرة على أنه "ينسب الولد إلى أبيه إذا وضع الحمل خلال عشرة (10) أشهر من تاريخ الإنفصال أو الوفاة" و بهذا النص يكون المشرع قد وضع شرطا واحدا لإلحاق الولد بالزوج المطلق و هو ولادة الطفل قبل عشرة أشهر كاملة من يوم التفريق الفعلي بين الزوجين، و عليه فإذا وقعت الولادة خلال هذه المدة ينسب المولود إلى الزوج دون خلاف ،في حين إذا وقعت ولادته بعد مرور أكثر من عشرة أشهر من تاريخ التطليق فإن المولود لا يلحق بالزوج لاحتمال  نسبه لشخص آخر، و بالتالي يحق  لكل ذي مصلحة من الورثة أو من ممثلي النيابة العامة أو غيرهما أن يطعن في هذا النسب و يرفع دعوى أمام القضاء ليطلب نفيه.

ثانيا: الحضانة:

الحضانة مأخوذة من الحِضَن و هو ما دون الإبط إلى الكشح و حِضن الشيء جانباه، و حَضَنَ الطائر بيضه إذا ضمه إلى نفسه تحت جناحيه، وكذلك المرأة إذا ضمت ولدها.

و عرفها الفقهاء بأنها عبارة عن القيام بحفظ الصغير أو الصغيرة  أو المعتوه الذي لا يميز و لا يستقل بأمره و تعهده بما يصلحه و وقايته مما يؤذيه و يضره و تربيته  جسميا و نفسيا و عقليا كي يقوى على النهوض بتبعات الحياة و الإضطلاع بمسؤولياتها و الحضانة بالنسبة للصغير أو الصغيرة واجبة، لأن الإهمال فيها يعرض الطفل للهلاك و الضياع.

و على نهج مقارب سار المشرع الجزائري في المادة (62) عندما عرف الحضانة بقوله :"الحضانة هي رعاية الولد و تعليمه و القيام بتربيته على دين أبيه و السهر على حمايته و حفظه صحة و خلقا".

أما بالنسبة لترتيب أصحاب الحق في الحضانة فقد قدم الفقهاء الحواضن بعضهم على بعض بحسب مصلحة المحضون فجعل الإناث أليق بها لأنهن أشفق و أصبر  على القيام بها، ثم الرجال العصبات ثم المحارم و اختلفوا أحيانا في ترتيب الدرجات بحسب المصلحة و مستحقوا الحضانة إما إناثا فقط أو ذكورا فقط و إما الفريقان معا. و ذلك في سن معينة فإذا انتهت تلك السن  كان الرجال أقدر على تربية الطفل.

و قد أسند المشرع الجزائري الحضانة للأم و تلاها بأقاربها من النساء ثم عاد إلى الأب ثم أمه
و انتقل إلى الأقارب في المادة (64) من قانون الأسرة بقوله "الأم أولى بحضانة ولدها ثم أمها ثم الخالة ثم الأب فأمه فالأقربون درجة مع مراعاة مصلحة المحضون في كل ذلك" و يتضح من النص أن قرابة الأم مقدمة على قرابة الأب و ذلك ما يبرره شرعا وعقلا و الدليل على هذا التقديم من السنة ما روي أن امرأة جاءت إلى الرسول -صلى الله عليه و سلم- فقالت له يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء و ثديي له سقاء، و حجري له حواء و إن أباه طلقني و أراد أن ينزعه مني فقال: أنت أحق به ما لم تنكحي "و قال رسول الله -صلى الله عليه و سلم- "من فرق بين والدة و ولدها، فرق الله بينه و بين أحبته يوم القيامة". كما روى أن "عمر بن الخطاب" –رضي الله عنه- طلق زوجته أم عاصم ثم أتى عليها و في حجرها عاصم و أراد أن يأخذه منها فتجاذباه بينهما حتى بكى الغلام فانطلق إلى أبي بكر -رضي الله- عنه فقال له أبا بكر:مسحها و حجرها و ريحها خير  له منك حتى يشب الصبي فيختار بنفسه"

و هناك شروط عامة لابد من توافرها في الحاضنة  حتى تثبت أهليته لذلك، و هي: الإسلام، البلوغ العقل الأمانة و القدرة على تربية المحضون وصيانته صحة وخلقا.

و قد اشتملت المادة (62) من قانون الاسرة على هذه الشروط باستعمالها لعبارة "أهلا للقيام بدلك"  دون أن تفصل في هذه الشروط.

كما حدد القانون مدة الحضانة القصوى في المادة (65) منه بالنسبة للأنثى بسن الزواج  وجعلها للذكر كقاعدة عامة بعشر سنوات، و يجوز في حالات استثنائية تمديدها إلى أكثر من ذلك على أن  تتجاوز في كل الأحوال سن التمييز الذي هو ستة عشر (16) سنة طبقا للمادة (42) من القانون المدني.

و إذا رغب الحاضن في الإستمرار في حضانة المحضون تعين عليه التمسك بهذا الحق طبقا لشروط معينة و هي:

- أن يرفع طلبه إلى المحكمة لإصدار حكم بتمديد مدة الحضانة إلى أكثر من عشر سنوات و ذلك حسب ما جاء في المادة( 68) من قانون الأسرة و التي جاء فيها "أن صاحب الطلب ملزم بتقديم الطلب خلال سنة من تاريخ نهاية الحضانة و إلا رفض طلبه لفوات الأجل القانوني"

- إن حق تمديد الأجل للحضانة ثابت للأم وحدها.

- أن تكون الأم غير متزوجة لأن الزواج سبب مسقط  لحقها في الحضانة إلا إذا كان زوجها من محارم المحضون.

- أن يأخذ القاضي بعين الإعتبار في تمديد تلك الفترة أمرين و هما:

  • ألا يتجاوز  فيها ستة عشر سنة.
  • أن ينظر إلى مصلحة المحضون.

و تسقط الحضانة بتزوج الأم بغير قريب محرم و بتنازل الحاضنة عن هذا الحق و باختلال شروط المادة (62) من قانون الأسرة، و إذا لم تطلب في أجلها القانوني المحدد بمدة تزيد عن سنة بدون عذر.

و قد تم النص على هذه الأسباب بمقتضى المواد من (66) إلى (70 من قانون الأسرة.

ثالثا: نفقة المحضون و سكنه:

إن مسألة نفقة المحضون و سكناه قد تضمنتها المادة (72) من قانون الأسرة حيث نصت على:"نفقة المحضون من ماله إذا كان له مال، و إلا فعلى والده أن يهيء له سكنا و إن تعذر فعليه أجرته "

من استقراء هذه المادة يتبين لنا بروز ثلاث حالات .

  1. إذا كان للمحضون مال خاص به تكون نفقته من ماله  لا من مال أبيه.
  2. إذا لم يكن المحضون مال تكون نفقته و مسكنه واجبة على أبيه من مال غيره إذ على الأب أن يضمن النفقة و المسكن معا.
  3. يجب على الأب أن يتحمل مسؤولية الإنفاق على المحضون و إذا لم يوفر له مسكن يجب عليه أن يوفر له أجرته و المبلغ المقرر للنفقة، و تكون هذه الأخيرة شهرية تسري ابتداءا من تاريخ النطق بالحكم إلى غاية سقوطها  شرعا.

و قد صدر عن المحكمة العليا قرار بتاريخ 29/11/1994 تحت رقم 112705 الذي قضى:"من المقرر أن نفقة المحضون و سكناه من ماله إذا كان له مال، و إلا فعلى  والده أن يهيء له سكنا، أما إذا تعذر فعليه أجرته، و لما ثبت في قضية الحال أن قضاة المجلس أسسوا قرارهم المنتقد على أن الطاعن لا يحق له المطالبة بمسكن لممارسة الحضانة أو بأجرته، إلا إذا كانت حاضنة لأكثر من ولدين فإنهم بذلك قد أساؤوا تطبيق  القانون وكان يتوجب عليهم إلزام الطعون ضده بتوفير سكن للحاضنة أو تسليم أجرته مما يتعين عليه نقض و إبطال القرار دون إحالة"([93])

و قد أعطى القانون للمطلقة الحاضنة الحق في السكن وفق الشروط التي جاءت بها المادة (52/2) من قانون الأسرة.

- أن تكون حاضنة سواء قل أو كثر عدد المحضونين.

- أن تتوفر قدرة الزوج على ضمان السكن و إن لم يكن ذلك بوسعه سقط حقها.

رابعا: حق الزيارة

بعد أن رتب المشرع أصحاب الحضانة في المادة (64) من قانون الأسرة،  نص في الفقرة الثانية منها:"على القاضي عندما يحكم بإسناد الحضانة أن يحكم بحق الزيارة" و هذا يعني بكل وضوح أنه عندما يحكم القاضي بالتطليق يتوجب عليه عند إسناد حق الحضانة إلى الأم أو غيرها الحكم تلقائيا للأب بحق زيارة المحضون و ذلك في ساعات و أيام و في أماكن محددة و في العطل و المواسم الدينية و الوطنية،
و إذا حكم بإسناد الحضانة  للأب أو غيره، يجب عليه بالمقابل أن يحكم للأم بحق الزيارة كذلك.

و ما يمكن ملاحظته في هذه المسألة أن المشرع أوجب على القاضي عند الحكم بالطلاق  إسناد الحضانة إلى أحد الوالدين  أو إلى غيرهما أن يقضي حتما لأحد الوالدين بحق زيارة المحضون من  تلقاء نفسه و لو لم يطلب ذلك لأن الحضانة و ما يترتب عنها من نفقة و حق الزيارة من النظام العام.

و قد صدر في هذا الشأن قرار عنالمحكمة العليا بتاريخ 16 أفريل 1990 تمت رقم 59784 جاء فيه :"متى أوجبت أحكام المادة (64) من قانون الأسرة على أن القاضي حينما يقضي بإسناد الحضانة أن يحكم بحق الزيارة فإنه من الواجب أن يكون ترتيب هذا الحق ترتيبا مرنا وفقا لما تقتضيه حالة الصغار، فمن حق الأب أن يرى أبناءه على الأقل مرة في الأسبوع لتعهدهم لما يحتاجون إليه و التعاطف معهم.

و من ثمة فإن القرار المطعون فيه القاضي بترتيب حق زيارة الأب مرتين كل شهر يكون قد خرق القانون، و متى كان كذلك استوجب نقض القرار المطعون فيه"([94])

 



[1]- سورة النساء الآية 21.

[2]-سورة النحل الآية 72

[3]-سورة الروم الآية 21.

[4]- المنجد الأبجدي، الطبيعة الثامنة-دار المشرق-بيروت-لبنان- توزيع المؤسسة الوطنية للكتاب-الجزائر- صفحة 665.

[5]- نصت المادة 48 من قانون الأسرة على أن "الطلاق حل عقد الزواج"، و يتم بإرادة الزوج أو بتراضي الزوجين أو بطلب من الزوجة في حدود ما ورد في المادتين( 53-54 ) من هذا القانون.

[6]-سورة النساء الآية 130

[7]-سورة الطلاق الآية 1

[8]- سورة البقرة الآية 229

[9]-سورة البقرة الآية 236.

[10]- الدكتور "محمد كمال إمام" - الطلاق عند المسلمين-دراسة فقهية و قانونية-دار المطبوعات الجامعية -الإسكندرية- طبعة 1997 صفحة 30.

[11]-الدكتور "رمضان علي السيد الشرنباصي"-أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية-منشورات الحلبي الحقوقية صفحة 226-227.

[12]-سورة الطلاق الآية 7.

[13]- الدكتور"محمد كمال إمام"-كمرجع سابق- صفحة 99.

[14]-الدكتور"محمد كمال إمام" -كمرجع سابق- صفحة 100.

[15]-"الإمام محمد أبوزهرة" –الأحوال الشخصية-دار الفكر العربي-مطبعة المدني-القاهرة صفحة 352-353.

[16]-سورة الرعد الآية 26.

[17]-سورة البقرة الآية 280.

[18]- القرار الصادر بتاريخ 19/11/1984 تحت رقم 34791 –المجلة القضائية العدد الثالث لسنة 1989- مأخوذ من كتاب قانون الأسرة بين النظرية و التطبيق للدكتور "نصر الدين مروك" صفحة 103.

[19]-سورة المؤمنين الآية5.

[20]-"الأستاذ عبد الكريم شهبون"-كمرجع سابق- صفحة 243.

[21]-سورة النساء الآية 34.

[22]-"الأستاذ عبد الكريم شهبون" كمرجع سابق- صفحة 245

[23]-"الإمام محمد أبو زهرة"-الأحوال الشخصية –دار الفكر العربي-مطبعة المدني- القاهرة صفحة 343.

[24]-سورة البقرة الآيتان 226-227.

[25]-"رمضان علي السيد الشربناصي"-كمرجع سابق- صفحة310.

[26]-"رمضان علي السيد الشربناصي"-كمرجع سابق- صفحة 320.

[27]-سورة المجادلة الآيتان 2-3

[28]- سورة المزمل الآية 10.

[29]- الدكتور"فضيل سعد" –كمرجع سابق صفحة 280

[30]-الأستاذ"عبد العزيز سعد" –كمرجع سابق صفحة 265.

[31]-"الدكتور فضيل سعد" كمرجع سابق صفحة 281-282.

[32]-"الدكتور رمضان علي السيد الشرنباصي"-كمرجع سابق-صفحة 360-361.

[33]-"الدكتور رمضان علي السيد الشرنباصي"-كمرجع سابق-صفحة 360-361

[34]-"المستشار عمر و عيسى الفقي"-التطليق في الأحوال الشخصية للمسلمين و غير المسلمين-المكتب الفني للموسوعات القانونية-مطبعة المجموعة المتحدة سنة 1998 صفحة38.

[35]- الجذام هو داء معروف بتجذم الأصابع و تقطعها، و رجل أجذم و مُجَذم نزل به الجذام و قد جذم الرجل بضم الجيم فهو مجذوم، و في حديث الرسول –صلى الله عليه و سلم-"من تعلم القرآن ثم نسيه لقي الله يوم القيامة و هو أجذم" قال أبو عبيد "الأجذم مقطوع اليد".(من لسان العرب لابن منظور)

[36]-البرص داء معروف نسأل الله العافية منه و من كل داء، و هوم بياض يقع في الجسد برص برصا و الأنثى برصاء. (من لسان العرب لابن منظور)

[37]-جبه، يجبه و جبابا والمجبوب الخصي الذي قد استُؤصل ذكَره و خصياه، و قد جَبَّ جباً فالمجبوب أي مقطوع الذكر (من لسان العرب لابن منظور)

[38]- العِنة و هو ما تفدم كأنه اعترضه ما يحبسه عن النساء، و امرأة عنينة لاتريدالرجال و لا تشتهيهم و العنين الذي لا يأتي النساء و لا يريدهم ((من لسان العرب لابن منظور)

[39]-"الدكتور رمضان علي السيد الشرنباصي "–كمرجع سابق صفحة 339.

[40]-"الدكتور أحمد كمال إمام"-كمرجع سابق- صفحة 109.

[41]- "الأستاذ عبد الكريم شهبون"-مدونة الأحوال الشخصية المغربية-الجزء الأول-الطبعة الثانية- دار النشر المعرفة-الرباط- صفحة227-228.

[42]- القُرن شبيه بالعلفة و هو نتوء في الرحم  (من لسان العرب لابن منظور)

[43]-الفساد و الخلط(من لسان العرب لابن منظور)

 -[44]"الأستاذ عبد الكريم شهبون"- كمرجع سابق-صفحة228.

[45]-"الأستاذ عبد الكريم شهبون"- كمرجع سابق

[46]-"الدكتور فضيل سعد"- كمرجع سابق- صفحة275-276.

[47]-الأستاذ"عبد العزيز سعد"-كمرجع سابق- صفحة 261.

[48]-الإجتهاد القضائي لغرفة الأحوال الشخصية-عدد خاص عن قسم الوثائق للمحكمة العليا لسنة2001- صفحة119.

[49]-الدكتور "فضيل سعد" -كمرجع سابق- صفحة276-277.

[50]-الدكتور "فضيل سعد" كمرجع السابق صفحة 277.

[51]- القرار الصادر بتاريخ 19/11/1984 تحت رقم 43784-غرفة الأحوال الشخصية - المجلة القضائية لسنة 1989 العدد الثالث- صفحة79.

 

[52]-"الدكتور فضيل سعد"-كمرجع سابق صفحة 289.

[53]-سورة الإسراء الآية 32.

[54]-سورة النساء الآية 22

[55]- سورة الأعراف الآية33

[56]-"الأستاذ فضيل سعد" -كمرجع سابق –صفحة 299.

[57]-"الأستاذ عمر زودة" –طبيعة الأحكام بإنهاء الرابطة الزوجية و أثر الطعن فيها-الصفحتين 54-55

[58]-القرار الصادر بتاريخ 12/01/1987 ملف رقم 43864 المجلة القضائية لسنة 2001 العدد 91 الصفحة 46.

-[59]سورة البقرة الآية 228.

[60]-سورة النساء الآية 19.

[61]- سورة النساء الآية 35.

[62]- الدكتور "رمضان علي السيد الشرنباصي" كمرجع سابق صفحة 364.

[63]- قال الشيخ "النفراوي" في فواكه الدواني في شرح رسالة ابن زيد القيرواني للمرأة التطليق بالضرر الثابت و لو بقول الأحوال.

[64]-تنص المادة (55) من قانون الأسرة على أنه :"عند نشوز أحد الزوجين بحكم القاضي بالطلاق، و بالتعويض للطرف المتضرر"

[65]-القرار الصادر بتاريخ 23/12/1997 تحت رقم 181648 المجلة القضائية لسنة 1997 –العدد الأول-صفحة 49

[66]- القرار الصادر بتاريخ 02/01/1989 تحت رقم 51906-المجلة القضائية لسنة 1991-العدد الأول- صفحة52

[67]-القرار الصادر بتاريخ20/02/1991 ملف رقم 75588 المجلة القضائية  لسنة1993  العدد الرابع صفحة 78

[68]- القرار الصادر بتاريخ 24/09/1996 تحت رقم 139353 المجلة القضائية  لسنة 1997 العدد الثاني صفحة 66.

 

[69]-"الأستاذ عمر زودة" -كمرجع سابق- صفحة 143.

[70]-سورة النحل الآية 18

[71]- سورة التوبة الآية 36

[72]-"الدكتور  محمد كمال إمام" -كمرجع سابق- صفحة144

[73]-سورة البقرة الأية 228

[74]-سورة الطلاق الآية 1

[75]-سورة البقرة الآية 228

[76]-القرار الصادر بتاريخ 18/06/1996 تحت رقم 137571-المجلة القضائية لسنة 1997 –العدد الثاني صفحة 93

[77]-سورة الطلاق الآية 1

[78]-نصت المادة 61 من قانون الأسرة على ما يلي:"لا تخرج الزوجة المطلقة ولا المتوفى عنها زوجها من السكن العائلي ما دامت في عدة طلاقها أو وفاة زوجها إلا في حالة الفاحشة المبينة و لها الحق في النفقة في عدة الطلاق"

[79]-القرارالصادر بتاريخ 25/12/1989 ملف رقم 57752 المجلة القضائية لسنة 1991 العدد 1 صفحة 68

[80]-نصت المادة 52/2 قانون أسرة على أنه "...و إذا كانت حاضنة و لم يكن لها ولي يقبل إيوائها يضمن حقها في السكن مع محضونيها حسب وسع الزوج، و يستثني من القرارمن السكن مسكن الزوجية إذا كان وحيدا تفقد المطلقة حقها في السكن في حالة زواجها أو يكون انحرافها."

[81]-القرار رقم 105366 الصادر بتاريخ 27/04/1993 المجلة القضائية لسنة 1994 العدد الثاني صفحة 88.

[82]-قرار رقم 135435 الصادر بتاريخ 23/04/1996 المجلة القضائية لسنة 1998 العدد الأول ص 129

[83]- قرار رقم 181648 الصادر بتاريخ 23/12/97  المجلة القضائية لسنة 1997 العدد الأول ص 49

[84]-سورة البقرة الآية 241

[85]-سورة البقرة الآية 236

[86]-سورة الأحزاب الآية 49

[87]-المادة 52 من قانون الأسرة الجزائري

[88]-يُقصد بالمتاع كل ما يوجد بمسكن الزوجية من أثاث و أواني و لباس و حلي.

[89]-نشرة القضاة لسنة 1986 –العدد الأول-صفحة 50.

[90]-القرار الصادر بتاريخ16/01/1989 تحت رقم 52212 –المجلة القضائية- لسنة 1991-العدد الثالث- صفحة 55.

[91]- القرار الصادر بتاريخ 18/07/1988 تحت رقم 50075 –المجلة القضائية لسنة 1990-العدد الرابع -صفحة 64.

[92]- سورة الفرقان الآية 54

[93]- قرار رقم 112705 الصادر بتاريخ 29/11/94  المجلة القضائية العدد الأول سنة 1994 صفحة 140

[94]- قرار رقم 59784 الصادر بتاريخ 16/04/1990  المجلة القضائية سنة 1991  العدد الرابع صفحة 126.

Le mardi 07 juin 2011 à 14h38 dans Article
Poster un commentaire
Pseudo :
Email (facultatif) :
Adresse site (facultatif) :
Votre message :
Voulez-vous suivre le fil de la discussion ?
Aucun commentaire
ساعة
Moteur de recherche
Calendrier
تابعوني على

undefined